عرض صوفي متكامل، حيث الضوء والموسيقى والجسد والروح تتحد في تجربة مسرحية تتحوّل معها كل لحظة على الركح إلى صلاة حقيقية للروح.
عندما تنطفئ الأضواء في قاعة المسرح، لا يبدأ عرض تقليدي، بل طقس صوفي؛ الجمهور لا يُدعى للمشاهدة، بل للمشاركة في صلاة تتحرك فيها الأرواح قبل الأجساد، حيث يصبح الركح مقامًا حيًّا، وكل حركة على الخشبة جزءًا من صلاة صامتة.
هذا هو عرض “ثنايا”، للمخرج والمؤلف يوسف المولهي الذي بلغ اليوم لمساته الأخيرة، ويستعد للعرض أمام لجنة الشراءات بوزارة الشؤون الثقافية، مع آفاق العروض الدولية المفتوحة خارج الحدود بفضل الشراكة مع الملحن الدنماركي من أصول عراقية آلان ألانس، الذي أضفى للعرض بعدًا كونيًا وروحيًا يمتد عبر الثقافات.
عيسى حراث… الإمام
وسط هذا البناء الروحي والفني، تبرز مشاركة الفنان العملاق عيسى حراث كـإمام يقود الصلاة. قيدوم المسرح التونسي لا يشارك كضيف، بل ينسج الإيقاع الداخلي للعرض، يضبط النبض، ويوجه الحضور الروحي للأجساد كما يقود الإمام المصلين في مقام الصلاة. حضوره يمنح التجربة رصانة الروح وصقل التجربة الصوفية، في توازن بين التجريب الفني والعمق، ليصبح “ثنايا” صلاة حية تتحرك في كل زاوية.
الضوء والظل… لغة الصمت
الإضاءة التي صاغها محمد أمين الشريف ليست مجرد تقنية، بل نص روحي مكتوب على الركح. الضوء ينسحب ويظهر، يروي ويهمس، ويخلق مساحات للذكر والتأمل. على الستائر، ينساب الخط العربي والفارسي الذي أبدعه محمود الخليفي كامتداد بصري للروح الصوفية، فيما تتغير رمزية تصميم “الشمس” مع الإيقاع، محاكية نبض الجمهور وجوهر الركح.
الموسيقى… نبض الصلاة
موسيقى آلان ألانس تحرّك العرض كما تتحرك الأذكار في قلب المصلين. الصوت موزون بعناية فائقة ليصل كل همس وكل ذبذبة إلى قلب المتفرج، فتصبح الموسيقى جزءًا من الطقس الروحي للعرض. هذا الانسجام يجعل “ثنايا” قابلاً للعرض على مسارح أوروبية، حيث يصبح الركح لغة عالمية للروح والذكر.
الجسد… قصيدة الصلاة
الأداء المسرحي، بمشاركة نتيجة حراث، عبد الخالق حراث، يوسف المولهي، وبتوقيع كوريغرافي من الجيلاني شحيدر وعلياء الكداشي، يحوّل كل جسد إلى قصيدة حية. الحركة صمت، والصمت ذكر، والانفجار طاقة روحية، لتصبح كل لحظة على الركح صلاة مكتملة المعنى.
فريق يحرس الرحلة
- يوسف المولهي: مؤلف ومخرج العمل.
- حاتم الحشيشة: إشراف فني لضمان الانسجام الروحي لكل العناصر.
- هند غانم: السكريتارية التي تحافظ على انتظام الرحلة الإبداعية.
أما الفنانة حنان عبيد فهي المنتجة التي عبر فرجة آرت تمنح العمل زمنه للنضج الفني، مؤكدة أن الأعمال الجادة تحتاج إلى صبر وإيمان قبل النشر والعرض.
“ثنايا”… من الركح إلى الأفق
“ثنايا” اليوم يقف على عتبة رحلة صوفية مكتملة:
- أداء يمس الروح،
- حضور أسماء مسرحية وازنة،
- شراكة دولية تفتح آفاق العروض خارج الحدود،
- روح صوفية تجعل كل لمسة، وكل ظل، وكل نغمة جزءًا من صلاة حية.
في “ثنايا”، الركح لا يُشاهَد فحسب، بل يُعاش كطقس، والضوء والجسد والموسيقى تتحد لتخلق صلاة صامتة تمتد في كل لحظة، مع عيسى حراث إمام الركح الذي يقود التجربة نحو الوعي الروحي العميق، ليخرج المشاهد ليس متفرجًا، بل مشاركًا في رحلة وجدانية تتجاوز حدود الزمن والمكان.




