في عمق البحر المتوسط، قبالة الساحل الشمالي الشرقي لجزيرة Sardinia، ظلّ قاع البحر يحتفظ بسرٍ صامت لما يقارب 17 قرنًا. أكثر من 50 ألف عملة برونزية رومانية، محفوظة بحالة استثنائية، ظهرت فجأة لتفتح نافذة نادرة على اقتصاد متصدّع وإمبراطورية تكافح للحفاظ على توازنها.
الاكتشاف، الذي عُثر عليه أواخر 2024 بواسطة غواص هاوٍ، تحوّل خلال 2025 إلى واحدة من أهم عمليات البحث والاستخراج البحري في أوروبا. وأعلنت Ministero della Cultura أن ما تم انتشاله يُعدّ أكبر كنز بحري من العملات الرومانية في البحر الأبيض المتوسط، ومن بين الأفضل حفظًا في العقود الأخيرة.
لا حطام… بل شحنة مغلقة
الموقع لم يكشف عن هيكل سفينة واضح، بل عن شظايا جرار نقل خزفية، مسامير حديدية، وبقايا مواد تغليف، إضافة إلى كتلة كثيفة من العملات موزعة بنمط يوحي بإغلاق مفاجئ للشحنة في قاع البحر.
غياب التشتت التدريجي للعملات يشير إلى أن السفينة – أو وسيلة النقل – غرقت بسرعة، حاملة معها حمولة مالية ضخمة لم تصل إلى وجهتها.
إصلاحات نقدية… ورسائل سياسية
تتكوّن المجموعة أساسًا من عملات “نومي” البرونزية التي ظهرت ضمن إصلاحات الإمبراطور Diocletian في أواخر القرن الثالث الميلادي.
تحمل العملات رموزًا إمبراطورية متعددة:
- الشمس التي لا تُقهر
- حصون عسكرية
- شعارات نصر
- رموز مسيحية مبكرة
أما علامات دور السك، فتكشف عن مصادر متنوعة من بلاد الغال وشرق المتوسط، ما يرجّح أن الشحنة جُمعت من خزائن إقليمية مختلفة، وربما كانت جزءًا من تحويلات ضريبية أو إعادة توزيع موارد مالية في زمن اضطراب اقتصادي.
سرّ الحفظ المذهل
العامل الحاسم في بقاء العملات بحالة شبه كاملة يعود إلى دفنها داخل مروج الأعشاب البحرية “بوسيدونيا أوشيانيكا”. هذه البيئة البحرية تحتجز الرواسب وتخلق ظروفًا منخفضة الأكسجين، ما يحدّ من التآكل.
النتيجة: بقاء طبقات فضية رقيقة على سطح العملات، رغم أن مثل هذه الطبقات عادة ما تتحلل خلال عقود في بيئات الدفن التقليدية.
اقتصاد على حافة الانهيار
القرن الرابع الميلادي كان مرحلة حساسة في تاريخ الإمبراطورية الرومانية. التضخم وتراجع الثقة بالعملة البرونزية دفعا الدولة إلى تعويض الجنود والموظفين بسلع عينية بدل النقود.
من هذا المنظور، لا يُعدّ الكنز مجرد مخزون مالي غارق، بل دليلًا ماديًا على أزمة نقدية حقيقية. بعض الباحثين يرجّح أن الشحنة كانت محاولة لنقل عائدات ضريبية فقدت جزءًا من قيمتها، أو إعادة توزيع موارد في محاولة يائسة لاستقرار مالي هش.
أكثر من كنز… وثيقة غارقة
هذا الاكتشاف لا يضيف فقط آلاف العملات إلى المتاحف، بل يعيد تشكيل فهمنا لاقتصاد أواخر الإمبراطورية. إنه يوثق لحظة تاريخية كانت فيها روما تحاول إعادة هندسة نظامها النقدي وسط ضغوط عسكرية وسياسية متصاعدة.
في قاع المتوسط، لم تكن العملات مجرد معدن برونزي، بل شهادة صامتة على إمبراطورية عظيمة كانت تحاول شراء الوقت… قبل أن يسبقها التاريخ.



