بينما كانت جائحة الإنفلونزا الإسبانية تحصد الأرواح في مطلع القرن العشرين، ظهر في أوروبا مرض غامض لا يشبه ما عرفه الأطباء من قبل. أطلق عليه اسم Encephalitis lethargica، أو “التهاب الدماغ الخمولي”، وبدأ انتشاره شتاء عام 1916، قبل أن يتحول إلى أحد أكثر الألغاز الطبية إثارة في التاريخ الحديث.
البداية من فيينا… مرض بلا تفسير
أول من وصف المرض كان الطبيب النمساوي Constantin von Economo، بعدما لاحظ حالات عصبية غريبة لا تتطابق مع أي تشخيص معروف آنذاك.
المرضى بدؤوا بأعراض شبيهة بالإنفلونزا:
- حمى خفيفة
- صداع
- التهاب حلق
- دوار وقيء
- ضعف عام وقشعريرة
لكن سرعان ما تحولت الصورة إلى مشهد عصبي مقلق: شلل مفاجئ، اضطرابات في الوعي، ونوبات قاتلة خلال أيام قليلة. إحدى الحالات الموثقة لفتاة أصيبت بشلل نصفي أثناء عودتها من حفل موسيقي، ثم دخلت في غيبوبة وتوفيت بعد أقل من أسبوعين.
النوم العميق… وعي بلا حركة
أكثر الأشكال إثارة للرعب كان النوع النعاسي العيني، حيث يغرق المرضى في سبات عميق لساعات طويلة، لكنهم يبدون واعين لما يدور حولهم. معدل الوفاة في هذا الشكل تجاوز 50%.
في ستينيات القرن الماضي، عالج طبيب الأعصاب البريطاني Oliver Sacks مرضى كانوا قد نجوا من الوباء لكنهم بقوا في حالة شبيهة بالتجمّد العصبي. وصفهم قائلاً:
“كانوا واعين، لكن غير مستيقظين بالكامل… يجلسون بلا حركة أو كلام، بلا دافع أو رغبة، كأنهم أشباح.”
من فرط الحركة إلى باركنسون
لم يكن المرض دائمًا مرتبطًا بالخمول. بعض المرضى أظهروا نشاطًا مفرطًا، أرقًا حادًا، وحركات عضلية لا إرادية في الوجه والأطراف وحتى عضلات العين.
أما في مرحلته المزمنة، فقد ترك آثارًا تشبه مرض باركنسون:
- تصلب عضلي
- اضطرابات في الكلام والتنفس
- مشكلات نفسية وسلوكية معقدة
بل إن بعض التقديرات لاحقًا أشارت إلى أن نسبة كبيرة من حالات باركنسون في العقود التالية ربما كانت نتيجة مباشرة للإصابة بالمرض.
لغز السبب… إنفلونزا أم فيروس آخر؟
رغم ظهوره في زمن Spanish flu، لم تثبت الدراسات علاقة سببية مباشرة بين الوباءين، إذ بدا أن انتشارهما تم بشكل مستقل.
فرضيات حديثة ترجح أن يكون السبب فيروسًا من عائلة الإنتروفيروس، وهي نفس المجموعة التي تضم فيروس شلل الأطفال، وتنتقل عبر سوائل الجسم. ومع ذلك، لا يوجد حتى اليوم إجماع علمي قاطع حول السبب الحقيقي.
اختفاء مفاجئ… وقلق مستمر
بحلول عام 1927، وبعد أن حصد نحو نصف مليون ضحية، اختفى المرض فجأة كما ظهر. لم يُسجل وباء مماثل منذ ذلك الحين، لكن غياب تفسير واضح يبقي الباب مفتوحًا أمام احتمال عودته في سياق وبائي جديد.
إحدى الدراسات الحديثة أشارت إلى أن عودة مرض مشابه خلال جائحة مستقبلية قد تتيح للعلماء استخدام تقنيات التحليل الجيني والفيروسات المتقدمة لتحديد السبب بدقة، وربما منع تكرار الكارثة.
إرث طبي مفتوح
يبقى إنسيفاليتيس ليثارجيا واحدًا من أكثر الألغاز الطبية غموضًا في القرن العشرين: مرض عصبي قاتل ظهر فجأة، حيّر العلماء بأعراضه المتناقضة، واختفى دون أن يترك تفسيرًا واضحًا وراءه.
في عالم يظن أنه فهم معظم أعدائه المجهرية، تذكّرنا هذه القصة بأن الدماغ لا يزال يحمل أسرارًا قد تعود في أي لحظة… وربما بشكل مختلف.



