في خطوة غير مسبوقة لمواجهة الجفاف وتدهور الأراضي الزراعية، أطلقت أستراليا تجربة ثورية قلبت الموازين: تغطية الحقول القاحلة بصوف الأغنام. النتيجة؟ تربة تستعيد حياتها، ومحاصيل تعود للنمو بعد سنوات من العجز.
في ولايات تربية الأغنام، وخاصة نيو ساوث ويلز، وجد المزارعون حلاً غير تقليدي لمشكلة طال أمدها. فالصوف الخشن والسميك، الذي كان يُعتبر عبئًا اقتصاديًا بلا قيمة تجارية، أصبح اليوم مادة استراتيجية لإنقاذ التربة المتدهورة.
هذا الصوف، المتراكم سابقًا في مراكز الجزّ دون مشترين، يحتوي على عناصر أساسية لنمو النباتات، أبرزها النيتروجين والكربون والكبريت، إلى جانب تركيبته الليفية الفريدة التي تساهم في تنظيم رطوبة التربة وتحسين بنيتها.
نتائج ميدانية لافتة
التجارب التي أُجريت بين عامي 2022 و2025 في نيو ساوث ويلز كشفت أرقامًا مفاجئة. فقد أدت طبقة من الصوف بسماكة عدة سنتيمترات إلى خفض معدلات التبخر بنسبة تصل إلى 35% مقارنة بالأراضي غير المعالجة. كما احتفظت التربة بالرطوبة لفترة تقارب ضعف المدة التي تحققها الأساليب العضوية التقليدية.
ولم يتوقف التأثير عند هذا الحد، إذ أظهرت تحاليل التربة ارتفاعًا في كثافة الكائنات الدقيقة بنسبة تتراوح بين 30 و50% خلال أشهر قليلة فقط. هذا التحول يعني ببساطة انتقال التربة من حالة “الخمول” إلى حالة “الحياة”، حيث تلعب الميكروبات دورًا محوريًا في تحليل المواد العضوية وتدوير المغذيات وتحسين اختراق الجذور وحركة المياه.
وفي كوينزلاند، وبعد موسم جاف واحد فقط، لاحظ المزارعون تغيرًا ملموسًا: توقفت التربة عن التطاير بفعل الرياح، احتفظت بالرطوبة، واستعادت ملمسها الطبيعي، في مشهد وصفته وثائق المشروع بأنه انتقال “من الغبار إلى تربة”.
الأساس العلمي وراء الفكرة
تحليل علمي نُشر في فبراير 2025 أكد أن ألياف الصوف تحتوي على ما بين 16 و17% نيتروجين، و3 إلى 4% كبريت، ونحو 50% كربون، جميعها مرتبطة ببروتين الكيراتين المعروف بمقاومته للتحلل السريع. هذه الخاصية تتيح إطلاق المغذيات تدريجيًا، بعكس الأسمدة الصناعية التي غالبًا ما تتسرب بسرعة إلى المياه الجوفية.
إضافة إلى ذلك، يمتاز الصوف بقدرة امتصاص ماء تصل إلى ضعف وزنه، مع تشكيل جيوب هوائية دقيقة عند خلطه بالتربة، ما يحسن التهوية ويقلل التماسك ويحافظ على الرطوبة حول الجذور — وهي مزايا لا توفرها كثير من المحسنات الأرضية التقليدية بالكفاءة ذاتها.
من فكرة بسيطة إلى صناعة ناشئة
لتفادي تكتل الألياف وإعاقة حركة المياه، جرى تطوير شكلين تجاريين للصوف الزراعي:
- حبيبات الصوف: مطحونة ومضغوطة، تزيد قدرة التربة على الاحتفاظ بالرطوبة بنسبة 25 إلى 40%.
- مركبات الصوف: مزيج من الألياف والمواد العضوية والميكروبات، يسرّع التحلل ويضمن توافق إطلاق المغذيات مع احتياجات النبات.
الأبعاد الاقتصادية للمشروع لا تقل أهمية عن نتائجه البيئية. ففي موسم 2024–2025، بلغ إنتاج الصوف الأسترالي 279 مليون كيلوغرام، مع تراكم نحو 200 ألف طن سنويًا كنفايات في المزارع. واليوم، تتحول هذه “المشكلة” إلى فرصة استثمارية واعدة.
في ولاية فيكتوريا وحدها، انطلقت أكثر من 40 شركة ناشئة لإعادة تدوير الصوف خلال عام 2024، ما أتاح نحو 2500 فرصة عمل في المناطق الريفية. ومن كل طن صوف فائض، يتم إنتاج حوالي 900 كيلوغرام من الحبيبات الزراعية، بقيمة سوقية تصل إلى ثلاثة أضعاف سعر الصوف الخام، لتتحول الخسارة إلى مصدر دخل مستدام.
اهتمام أوروبي متصاعد
التجربة الأسترالية لم تمر دون صدى عالمي. ففي أوروبا، يدرس باحثون إمكانية استغلال الصوف الفائض، خاصة من سلالات الألبان واللحوم ذات الألياف غير الصالحة للنسيج.
دراسات في بولندا أظهرت أن صوف الأغنام الجبلية يعزز تكوين الجذور، ويرفع طول السيقان، ويزيد إنتاجية القمح الشتوي. كما تُجرى تجارب ميدانية في ألمانيا والنمسا وإيطاليا لاختبار فعالية طبقات الصوف في ظروف مناخية أوروبية مختلفة.
من عبء إلى أمل
ما كان يُعتبر نفاية مكلفة أصبح اليوم أداة بيئية واقتصادية مزدوجة الفائدة. وبينما تتفاقم تحديات الجفاف عالميًا، تبدو تجربة أستراليا دليلاً على أن الحلول أحيانًا تكمن في أبسط الموارد… فقط إذا أُعيد النظر إليها بعين مختلفة.



