بقلم: عزيز بن جميع
ليست كل الأسماء التي تلمع في سماء الفن تُكتب بحبر الشهرة، فبعضها يُنحت في الذاكرة كما تُنحت الأساطير. هكذا تبدو سلمى جلال؛ فنانة لا تعبر المشهد مرورًا عابرًا، بل تترك فيه أثرًا يشبه النداء العميق… نداء الفن حين يكون صادقًا.
لم تصنع سلمى حضورها من ضجيج “التريند”، بل من صمت التكوين الصارم. في أروقة المعهد العالي للموسيقى بتونس، لم تكن تتعلم العزف فقط، بل كانت تبني داخلها ذلك الإحساس النادر الذي يجعل من الأداء فعلاً حيًا. هناك، تشكل وعيها الفني، فصارت كل شخصية تؤديها لاحقًا وكأنها مقطوعة موسيقية تُعزف بإحساس دقيق لا يخطئ.
حين اتجهت إلى القاهرة، لم تذهب باحثة عن الأضواء، بل حاملةً مشروعًا فنّيًا. في أعمالها الأولى، كسرت الصورة النمطية للوجه الجميل، وأثبتت أن الموهبة حين تقترن بالثقافة تتحول إلى قوة قادرة على اختراق أعمق الشخصيات. من أدوارها الاجتماعية إلى تجسيدها لشخصيات مركبة، كانت دائمًا تختار الطريق الأصعب… طريق الفنان الحقيقي.
وفي تجربتها العربية، خاصة في الدراما الشامية، برزت قدرتها على الغوص في النفس البشرية، مقدّمة أداءً يلامس وجع الإنسان دون ادعاء. هناك، لم تعد مجرد ممثلة، بل تحولت إلى مرآة تعكس تعقيدات الواقع العربي بلغة فنية راقية.
إن تكريم سلمى جلال اليوم لا يُختزل في احتفاء عابر، بل هو اعتراف بمسيرة تُعيد الاعتبار للفن كقيمة ثقافية وإنسانية. هي نموذج لفنانة تعرف أن الإبداع لا يُبنى على الموهبة وحدها، بل على المعرفة والالتزام والجرأة في الاختيار.
سلمى جلال ليست مستقبل الفن فحسب… بل إحدى ضماناته القليلة.



