تمكّن فريق بحثي في مدينة قرطبة الإسبانية من تحديد الموقع الدقيق لمدينة الزاهرة، العاصمة الإدارية القصيرة العمر التي شيدها القائد الأموي المنصور بن أبي عامر في أواخر القرن العاشر الميلادي، في إنجاز يُعد من أبرز الاكتشافات في علم الآثار الأندلسي بعد أكثر من قرن من الجدل والبحث حول موقع هذه المدينة الغامضة.
مدينة الزاهرة، التي أسسها المنصور المعروف تاريخيًا بـ«الحاجب المنصور»، كانت عاصمة منافسة مباشرة لمدينة الزهراء الشهيرة، وقد شُيدت قرب قرطبة لتكون مقرًا للإدارة والسلطة والجيش. ورغم قِصر عمرها، فقد احتلت مكانة محورية في التاريخ السياسي والعمراني للأندلس، وظلت لغزًا أثريًا لعدة قرون بسبب تدميرها الكامل واختفاء معالمها.
وقاد هذا الاكتشاف الباحث أنطونيو مونتيروسو شيكا من جامعة قرطبة، ضمن وحدة البحث «باتريشيا»، حيث نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Meridies. Estudios de Historia y Patrimonio de la Edad Media. واعتمد الفريق على بيانات LiDAR عالية الدقة، وهي تقنية متطورة تسمح برصد التغيرات الدقيقة في تضاريس الأرض، حتى في المناطق المغطاة بالنباتات.
وأظهرت البيانات وجود تخطيط حضري واسع ومنظم يمتد على مساحة تُقدّر بنحو 120 هكتارًا، ما يجعل مدينة الزاهرة قريبة في الحجم من مدينة الزهراء. وحدد الباحثون الموقع في منطقة تُعرف تاريخيًا باسم «كابيزوس دي لاس بندولياس» قرب بلدة ألكولا، حيث كشفت التحاليل الطبوغرافية عن مبانٍ مستطيلة ومربعة وتخطيط مدرج، مع انحراف بعض المنشآت نحو الجنوب الشرقي، في مؤشر واضح على تخطيط عمراني مدروس.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن الزاهرة لم تكن مجرد مقر سياسي، بل مركزًا إداريًا وعسكريًا وتجاريًا متكاملًا، يضم القصر، ومؤسسات الحكم، وجيش المنصور، إضافة إلى أحياء سكنية للموظفين والحرفيين والتجار.
ويعزز هذا الاكتشاف ما ورد في المصادر التاريخية، التي تحدثت عن الصعود السريع للمدينة عقب وصول المنصور إلى السلطة حاجبًا للخليفة هشام الثاني، قبل أن تتعرض لتدمير شامل بعد وفاة المنصور سنة 1002م، على يد سكان قرطبة الذين سعوا إلى محو أي أثر للعامريين. ويؤكد المؤرخون أن الدمار كان كاملًا إلى درجة اختفاء موقع المدينة من الذاكرة المحلية، ما صعّب مهمة الباحثين لقرون طويلة.
كما كشفت الدراسة أن المنطقة احتفظت بأهميتها عبر العصور، إذ أصبحت منذ القرن الخامس عشر جزءًا من «الدهيسا الملكية» المرتبطة بالممتلكات الملكية الإسبانية، واحتضنت لاحقًا الإسطبلات الملكية في عهد الملك فيليب الثاني، وهو ما يعكس استمرارية رمزية السلطة في هذا الموقع.
ويرى الباحثون أن الجمع بين تقنيات LiDAR والتحليل الدقيق للمصادر التاريخية المكتوبة يوفر أساسًا علميًا متينًا لإطلاق حملات مستقبلية تشمل المسح الجيوفيزيائي والتنقيبات الأثرية، تمهيدًا لفتح الموقع أمام العموم.
ويأمل الفريق أن يتحول موقع الزاهرة إلى رمز تاريخي بارز يعيد الاعتبار لإحدى أعظم العواصم المفقودة في تاريخ الخلافة الأموية بالأندلس، مؤكّدين أن هذا الاكتشاف يبرز الدور الحاسم للتكنولوجيا الحديثة في إعادة بناء الماضي وفهم التخطيط الحضري والسياسي في العصور الوسطى بشبه الجزيرة الإيبيرية.



