لم يكن اكتشاف مقبرة الفرعون توت عنخ آمون مجرد حدث علمي غيّر مسار علم الآثار، بل تحوّل سريعاً إلى واحدة من أكثر القصص غموضاً وإثارة في القرن العشرين، بعدما توالت وفيات غامضة ربطها كثيرون بما عُرف لاحقاً بـ“لعنة المومياوات”.
اكتشاف هزّ العالم
في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1922، نجح عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر، رفقة بعثته، في الكشف عن مقبرة توت عنخ آمون بوادي الملوك، بعد أن ظلت مخفية لآلاف السنين. المقبرة كانت شبه سليمة، ومحتوياتها الذهبية أذهلت العالم، لكنها في المقابل فتحت باباً واسعاً للجدل والخوف.
ما إن عثر كارتر على حجرة الدفن، حتى سارع بإبلاغ راعي البعثة، اللورد كارنارفون، الذي وصل إلى مصر متحمساً لفتح التابوت الملكي. غير أن التحذير المنقوش على المقبرة كان صريحاً:
"سيأتي الموت سريعاً على من يعكر صفو الملك".
وفاة أولى تشعل الشكوك
بعد وقت قصير من فتح المقبرة، توفي اللورد كارنارفون في ظروف غامضة، قيل إنها نتيجة لدغة بعوض داخل المقبرة تسببت في التهاب حاد انتهى بوفاته. هذه الحادثة كانت الشرارة الأولى التي دفعت الصحافة العالمية إلى الحديث عن “لعنة توت عنخ آمون”، وربط كل وفاة لاحقة بها.
قصص تتجدد… حتى في العصر الحديث
لم تتوقف الروايات عند بعثة كارتر. ففي عام 2007، عادت اللعنة إلى الواجهة بقصة لص ألماني سرق قطعة أثرية مصرية خلال زيارته لمصر، وهرّبها إلى بلاده طمعاً في الثراء.
وبحسب الرواية المتداولة، عجز اللص عن بيع القطعة، وبدأت سلسلة من المعاناة تصيبه هو وأفراد عائلته، قبل أن يُصاب بحمى شديدة أدت إلى شلله ووفاته سريعاً. لاحقاً، أعاد أحد أقاربه القطعة الأثرية إلى مصر مرفقة برسالة اعتذار، وسط اعتقاد بأن اللعنة توقفت عند هذا الحد، رغم تشكيك المؤرخين في دقة القصة.
يد الملك التي لم تُغتفر
ومن بين القصص الأكثر إثارة، حادثة وفاة طبيب الأشعة البريطاني السير أرشيبالد ريد، الذي لم يكن عالم آثار، بل طُلب منه فحص اليد المقطوعة لتوت عنخ آمون بالأشعة السينية.
بعد أقل من 24 ساعة من الفحص، أُصيب بمرض خطير، وتوفي بعد أسبوع واحد فقط، ليُضاف اسمه إلى قائمة طويلة من “ضحايا اللعنة” بحسب المرويات الشعبية.
بين العلم والأسطورة
رغم أن العلماء يُرجعون هذه الوفيات إلى أسباب طبية وطبيعية، مثل البكتيريا والفطريات السامة داخل المقابر المغلقة، إلا أن “لعنة توت عنخ آمون” لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية، تتغذى على الغموض وتناقض الروايات، وتُذكّر العالم بأن بعض الاكتشافات العظيمة تحمل في طياتها وجهاً مظلماً لا يقل إثارة عن كنوز الذهب.
هكذا، بقيت مقبرة الملك الشاب شاهداً على التقاء العلم بالخرافة، والتاريخ بالرعب، في واحدة من أكثر القصص التي حيّرت البشر حتى اليوم.



