في صيف عام 2020، ظهر على شاطئ مدينة Derbent الروسية المطلة على الساحل الغربي لـ بحر قزوين مشهد استثنائي أعاد إلى الذاكرة واحدًا من أغرب المشاريع العسكرية في تاريخ الحرب الباردة: مركبة عملاقة تشبه الطائرة لكنها ليست طائرة، وتُعرف باسم Lun-class ekranoplan.
هذه المركبة الضخمة، التي يتجاوز طولها بعض أكبر طائرات الركاب في العالم، وتزن أجنحتها وحدها نحو 380 طنًا، تُعد النسخة الوحيدة المكتملة من فئة “لون”، وهي مركبة هجينة تجمع بين خصائص الطائرات والسفن.
تقنية التحليق فوق الماء
تعتمد الإكرانوبلان على ما يُعرف بظاهرة Ground effect، حيث يتكوّن تحت جناحي المركبة عند التحليق على ارتفاع منخفض جدًا فوق سطح الماء وسادة هوائية تعزز قوة الرفع.
هذه الظاهرة تسمح للمركبة بالتحليق بسرعة عالية مع تقليل مقاومة الهواء، ما يمنحها كفاءة وسرعة أكبر من السفن التقليدية، مع قدرة على التحليق على ارتفاع منخفض للغاية فوق سطح البحر.
“وحش بحر قزوين” الذي أقلق واشنطن
في أواخر ستينات القرن الماضي، رصدت الأقمار الصناعية الأمريكية مركبة سوفييتية عملاقة في بحر قزوين، وأطلق عليها المحللون اسم “Caspian Sea Monster”.
وكان هذا النموذج التجريبي يُعرف باسم Korabl Maket KM، وقد شكّل الأساس لتطوير فئة “لون”، التي دخلت الخدمة رسميًا في الاتحاد السوفييتي عام 1987.
سلاح صُمم لضرب أساطيل الناتو
صُمم الإكرانوبلان لون أساسًا لأغراض عسكرية، إذ زُوّد بثمانية محركات نفاثة ضخمة تمنحه سرعة تصل إلى 547 كيلومترًا في الساعة.
كما أن تحليقه المنخفض جدًا فوق سطح الماء يجعله صعب الاكتشاف بواسطة الرادارات، إضافة إلى قدرته على تجاوز الألغام البحرية والطوربيدات دون ملامسة الماء.
وكان الهدف الرئيسي من هذه المركبة مهاجمة سفن وغواصات حلف شمال الأطلسي، خاصة حاملات الطائرات التابعة للولايات المتحدة.
ومن أبرز ميزاته العسكرية:
- ست منصات إطلاق صواريخ موجهة مثبتة على ظهره
- إمكانية حمل رؤوس تقليدية أو نووية
- سرعة عالية مقارنة بالسفن الحربية
نهاية المشروع وبداية الأسطورة
مع انهيار الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينات، توقف تمويل المشروع بالكامل، وتم التخلي عن المركبة في قاعدة بحرية لسنوات طويلة قبل أن تُنقل لاحقًا إلى شاطئ ديربنت، حيث يُخطط لتحويلها إلى قطعة متحفية تاريخية.
عودة الفكرة في القرن الحادي والعشرين
ورغم أن الإكرانوبلان أصبحت اليوم أقرب إلى التحف العسكرية، فإن الفكرة لم تختفِ تمامًا.
فعدد من الشركات الخاصة يدرس استخدام هذه التقنية لنقل الركاب والبضائع بكفاءة عالية، خاصة مع التطور في البطاريات الكهربائية وأنظمة الطيران الحديثة.
كما تعمل وكالة DARPA الأمريكية على مشروع جديد يحمل اسم Liberty Lifter، يهدف إلى تطوير مركبات حديثة تعتمد على مبدأ التأثير الأرضي بقدرات نقل ضخمة.
وهكذا يبقى “وحش بحر قزوين” واحدًا من أكثر المشاريع العسكرية غرابة في التاريخ: مركبة بين الطائرة والسفينة، وُلدت في زمن الحرب الباردة… وقد تعود فكرتها إلى سماء البحار من جديد.



