في اليوم العالمي لمساندة القضية الفلسطينية تتجه الأنظار نحو قصص تتجاوز حدود السياسة والأرقام، قصص تهز الضمير الإنساني لأنها تروي الألم من فم الطفولة نفسها ومن بين تلك القصص تبرز حكاية الطفلتين زينة أحمد إسماعيل عبد الهادي وشقيقتها سارة لتختزل في تفاصيلها حجم الكارثة التي يعيشها أطفال فلسطين منذ سنوات طويلة.
بعد استشهاد والدتهما وفقدان أفراد كُثر من العائلة تحت القصف وجدت زينة نفسها في تونس برفقة والدها تحاول أن تعيد ترتيب عالم انهار أمامها في لحظة، ورغم أن تونس احتضنتها بحنانها المعروف فإن الجرح ما زال مفتوحا والذاكرة ما زالت حاضرة بكل وجعها، وفي الجانب الآخر من الحدود تقيم شقيقتها سارة المصابة في غزة تواجه وحدها ألم الإصابة وصدمة الفقد والخوف من حرب لا ترحم صغيرا ولا كبيرا.
هذا التشظي بين بلدين وبين طفلتين كان يفترض أن تتقاسما المدرسة واللعب والدفء لا الخوف والموت والبعد يجعل الحاجة إلى تقديم دعم شامل وعميق لزينة أكثر إلحاحا، فلا يكفي تأمين الغذاء والعلاج بل يجب ضمان سلامتها النفسية للعلاج من آثار الفقد والصدمات وتأمين مستقبل مستقر يتيح لها استعادة شيء من الطفولة التي سُرقت منها.
وفي الآن نفسه يظل جمع شمل زينة وسارة في تونس ضرورة إنسانية وأخلاقية قبل أن تكون إجراء إداريا، فاستمرار هذا الفصل القسري بين الشقيقتين يعني إطالة جراحهما بينما لم يعد في حياتهما متسع لمزيد من الألم، كما إن لم الشمل سيعيد لهما القدرة على التشبث بالحياة وسيمنحهما فرصة لبناء مستقبل مشترك في بيئة آمنة تشبه ما تستحقانه حقًا.
وليس خافيا أن تونس التي آوت زينة وقدمت لها الأمان والرعاية لطالما كانت صوتا صادقا في الدفاع عن الحق الفلسطيني، فهذا البلد الذي يحمل في ذاكرته قيم التضامن والشهامة قادر اليوم أيضا على إرسال رسالة جديدة إلى العالم بأن الإنسانية لا تقاس بالكلام بل بالأفعال وأن حماية البراءة واجب لا نقاش فيه.
قصة زينة وسارة ليست مجرد سرد مؤلم لكنها شهادة حية على معاناة آلاف الأطفال الذين يجدون أنفسهم بين الركام والحدود، بين الفقد والمنفى، بين الأمل والخوف وهي أيضا دعوة للمجتمع الدولي ليتحمل مسؤوليته ويوقف نزيف الطفولة في غزة ويدعم كل مبادرة تعيد الحياة لمن بقي من الضحايا.
ألا تستحقان الحياة؟ إن هذا السؤال ليس موجها لزينة وسارة بل موجه للعالم كله ولأن الإجابة لا تكون إلا بالفعل فإن رعاية زينة ودعم سارة وإحضارها لتونس الآبية ولم شملهما هو الطريق الوحيد لإنقاذ ما تبقى من طفولة لا تعوض.



