في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، لم يعد الحديث عن الرقمنة والذكاء الاصطناعي مجرد رفاه فكري أو ترف تكنولوجي، بل أصبح توجهاً حتمياً تفرضه متطلبات العصر، خاصة على المؤسسات والهياكل الاجتماعية والمدنية الساعية إلى تطوير أدائها وتحسين جودة خدماتها. ومن هذا المنطلق، أعلنت الشبكة التونسية للوداديات عن تنظيم الملتقى الوطني السابع للوداديات أيام 12 و13 و14 جوان 2026 تحت شعار:
"التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي بالوداديات وأثره على منظومة التصرف وجودة الخدمات".
ويأتي هذا الملتقى في سياق وطني ودولي يتسم بتسارع غير مسبوق في اعتماد الحلول الرقمية داخل مختلف القطاعات، الأمر الذي يجعل من الضروري على الوداديات التونسية أن تنخرط بدورها في هذا المسار التطويري، لا فقط لمواكبة العصر، وإنما أيضاً لضمان نجاعة أكبر في التسيير، وشفافية أوسع في التصرف، وجودة أفضل في الخدمات المقدمة لمنخرطيها.
وفي هذا الإطار، يمثل هذا الموعد الوطني محطة هامة لتبادل الخبرات والتجارب بين مختلف الوداديات والهياكل المشاركة، خاصة وأن التحول الرقمي لم يعد يقتصر على استعمال الحاسوب أو المنصات الإلكترونية فحسب، بل أصبح منظومة متكاملة تقوم على الإدارة الذكية، وتحليل المعطيات، والحوكمة الحديثة، والتخطيط المبني على الدقة والسرعة والنجاعة.
علاوة على ذلك، فإن إدماج الذكاء الاصطناعي في عمل الوداديات يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة وغير مسبوقة، سواء من خلال تسهيل الخدمات الإدارية، أو تحسين التواصل مع المنخرطين، أو تطوير قواعد البيانات، أو حتى المساهمة في اتخاذ القرار بطريقة أكثر دقة وفاعلية. وبالتالي، فإن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في امتلاك الوسائل الرقمية، وإنما في حسن توظيفها لخدمة الإنسان والمؤسسة معاً.
ومن المنتظر أيضاً أن يتضمن هذا الملتقى سلسلة من المحاضرات العلمية وورشات العمل والنقاشات التفاعلية التي سيؤطرها عدد من الخبراء والمختصين في مجالات الرقمنة والحوكمة والتصرف الحديث، وهو ما من شأنه أن يساهم في نشر الثقافة الرقمية داخل الوداديات، وتبسيط المفاهيم التكنولوجية، وربطها بالواقع العملي واليومي لمختلف الهياكل الاجتماعية.
وفي المقابل، فإن نجاح هذا التوجه يبقى مرتبطاً بمدى استعداد الوداديات للاستثمار في التكوين والتأهيل البشري، لأن التكنولوجيا مهما بلغت من تطور تبقى بحاجة إلى عقل واعٍ قادر على استثمارها بشكل أخلاقي وفعّال. لذلك، فإن مثل هذه الملتقيات لا تقتصر أهميتها على النقاش النظري فقط، بل تؤسس أيضاً لمرحلة جديدة من التفكير الجماعي حول مستقبل العمل الجمعياتي والاجتماعي في تونس.
إن تنظيم ملتقى وطني بهذا الحجم وبهذا المحور الاستراتيجي يعكس وعياً متقدماً بأهمية الانتقال من الإدارة التقليدية إلى الإدارة الذكية، ومن الحلول الكلاسيكية إلى الحلول الرقمية الحديثة. كما يؤكد أن الوداديات التونسية قادرة، إذا ما توفرت الإرادة والرؤية، على أن تكون جزءاً فاعلاً من مشروع التحديث الوطني.
وفي النهاية، يبدو واضحاً أن المستقبل لن يكون للأكثر قوة فقط، بل للأكثر قدرة على التكيّف والتطور واستيعاب التحولات الرقمية. لذلك، فإن الوداديات التي ستنجح في فهم الذكاء الاصطناعي وتوظيفه لخدمة الإنسان ستكون الأقدر على الاستمرار والتأثير وصناعة الفارق.
فالذكاء الاصطناعي لم يعد فكرة تخص المستقبل… بل أصبح واقعاً يطرق أبواب الجميع، ومن يتأخر عن مواكبته قد يجد نفسه خارج زمن التغيير.



