تطرق الإعلامي الكبير الدكتور محمد فهري الشلبي، أحد أعمدة معهد الصحافة، إلى موضوع حساس يكشف خللًا في منظومة الاعتراف بالحق، وخاصة فيما يتعلق بالتعاطي والتناول الإعلامي لقضايا تحولت مع مرور الزمن إلى رفوف النسيان. في هذا السياق، أراد الشلبي من خلال نداءه نفض الغبار عن الإنكار الذي مارسه بعض الأقلام والسلطة الرابعة، حيث تغاضى البعض بشكل متعمد عن قضية أثارت اجماعًا غير مسبوق، داعيًا الإعلاميين إلى التحلي بالموضوعية والنزاهة والمهنية، لأن التاريخ لا يرحم.
القضية التي سلط الشلبي الضوء عليها هي مظلمة العقيد لطفي القلمامي، الذي أحيل على التقاعد الوجوبي ضمن ما عرف بـ"تطهير" وزارة الداخلية في عهد وزير الداخلية الأسبق فرحات الراجحي. القرار شمل 41 ضابطًا، لكن القلمامي كان ضحيته الرئيسية بسبب تشابه اسمه مع آخر، رغم سمعته الطيبة وتفانيه في العمل.
القضية تكشف عن خلل عميق في آليات الدولة، حيث يمكن أن تُسلب حقوق موظف كفؤ لمجرد "تشابه أسماء"، ما يطرح سؤالًا أساسيًا: هل يُعتبر هذا النظام عادلاً في حماية حقوق أفراده؟ حتى بعد حكم القضاء ببراءة القلمامي وإلزام الدولة بإعادته إلى عمله، بقي تنفيذ القرار متأخرًا، ما يسلط الضوء على فجوة مقلقة بين القضاء ومؤسسات الدولة التنفيذية، ويبرز بعدًا مهمًا: إلزام الدولة برد الاعتبار للقلمامي، خطوة أساسية لإعادة التوازن والعدالة، وتأكيدًا على أن الحق لا يُهمل.
في نصه، يتساءل الشلبي: لماذا يظل المجتمع المدني والهيئات الحقوقية صامتة أمام هذا الظلم؟ لماذا يُهمل القانون حين يتعلق الأمر بحقوق الأفراد؟ ويضيف: الديمقراطية ليست مجرد نصوص أو صناديق انتخابية، بل هي كرامة الفرد وحقه في العدالة.
القضية تحمل بعدًا رمزيًا: استحضار قصة عمر والبغلة يعد تذكيرًا بالمسؤولية الفردية والجماعية تجاه الظلم، وكيف يمكن للسلطة أن تفقد حس العدالة حين تُهمل حقوق أبسط الناس. القلمامي أصبح رمزًا لمعاناة الأفراد أمام دولة تتصرف أحيانًا خارج نطاق العدالة، رغم شعارات الديمقراطية المتداولة.
القضية تمثل اختبارًا لنضج المجتمع التونسي والدولة في ضمان حقوق الإنسان، وتنبيهًا حادًا: العدالة الحقيقية لا تتحقق إلا عندما تُحترم كرامة الفرد، ويُطبق القانون بحذافيره، وليس عندما تبقى الحقوق مجرد شعارات على الورق.