في إطار الجهود الدولية والوطنية الرامية إلى تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز المساواة بين الجنسين احتضنت تونس العاصمة من 27 إلى 29 جانفي 2026 استشارة وطنية حول اقتصاد الرعاية نظمتها مبادرة «Shared Prosperity Dignified Life» التابعة للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا – ESCWA) بالشراكة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women)، وقد شهدت هذه الاستشارة مشاركة واسعة لمنظمات المجتمع المدني وشركاء دوليين وخبراء وممثلين عن مؤسسات معنية بالسياسات الاجتماعية والاقتصادية بما يعكس الأهمية المتزايدة التي يكتسيها اقتصاد الرعاية في مسار الإصلاحات الهيكلية والتنمية الشاملة في تونس.
وقد تركزت النقاشات حول المعايير الاجتماعية المرتبطة بتقاسم المسؤوليات الأسرية والرعائية وتأثيرها المباشر على المشاركة الاقتصادية للنساء، كما تم استعراض الأطر المرجعية العالمية وفي مقدمتها أهداف التنمية المستدامة إلى جانب الأطر الإقليمية في المنطقة العربية والسياسات الوطنية التونسية ذات الصلة مع إبراز الدور المحوري لاقتصاد الرعاية في خلق فرص عمل لائقة خاصة للنساء وفي إحداث تحول اجتماعي يوازن بين متطلبات السوق وحماية الكرامة الإنسانية.
ويعرف اقتصاد الرعاية على أنه مجموع الأنشطة المدفوعة وغير المدفوعة المرتبطة برعاية الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة إضافة إلى الرعاية الذاتية وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن النساء في المنطقة العربية يتحملن العبء الأكبر من أعمال الرعاية غير المدفوعة وهو ما يحد من فرص اندماجهن في سوق الشغل، وفي تونس تؤكد دراسات صادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن النساء يقضين أكثر من خمس مرات الوقت الذي يقضيه الرجال في أعمال الرعاية غير المدفوعة وهو معطى يعكس فجوة هيكلية ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وقانونية.
وقد أفرزت الجلسات والورشات التشاركية جملة من التحديات أبرزها ضعف الاستثمارات في البنية التحتية للرعاية واستمرار الصور النمطية التقليدية المرتبطة بأدوار النوع الاجتماعي إلى جانب الضغوط الناتجة عن الشيخوخة السكانية وتغير أنماط الأسرة، وفي المقابل قدمت حلول عملية مستندة إلى تجارب ميدانية وأفضل الممارسات الدولية من بينها تطوير سياسات عمومية تشجع على تقاسم المسؤوليات بين النساء والرجال وتعزيز برامج التكوين المهني في قطاع الرعاية وإدماج هذا القطاع بشكل صريح في الخطط الوطنية للتنمية المستدامة.
وأكدت مبادرة «Shared Prosperity Dignified Life» أن هذه الاستشارة تندرج ضمن رؤية الإسكوا لتحقيق حياة كريمة مشتركة معتبرة أن اقتصاد الرعاية يشكل رافعة أساسية لتحقيق الهدف الخامس من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالمساواة بين الجنسين فضلا عن دوره في دعم السلام الاجتماعي والعدالة، وفي الآن ذاته تم التشديد على أن الاستثمار في أنظمة الرعاية ليس خيارا اجتماعيا فحسب لكنه رهان اقتصادي حقيقي من شأنه تعزيز مشاركة النساء في سوق العمل وبناء شراكات إقليمية مستدامة خاصة في ظل التحديات التي أفرزتها التحولات الديموغرافية وجائحة كوفيد-19.
ويستند هذا التوجه إلى إطار قانوني تونسي متنوع يدعم المساواة والحماية الاجتماعية. فقد مثّل القانون عدد 9 لسنة 2025 المتعلق بتنظيم عقود الشغل ومنع المناولة خطوة مفصلية في حماية العمال وخاصة النساء من الاستغلال من خلال تجريم مناولة اليد العاملة وضمان استقرار العلاقات الشغلية مع فرض خطايا مالية هامة على المخالفين، كما يندرج القانون عدد 37 لسنة 2021 المتعلق بتنظيم العمل المنزلي في صلب دعم اقتصاد الرعاية إذ يضمن العمل اللائق لعمال المنازل دون تمييز ويحدد ساعات العمل وحقوق الراحة والحماية الاجتماعية رغم ما يواجهه من صعوبات على مستوى التطبيق.
وفي السياق ذاته، جاء المرسوم عدد 4 لسنة 2024 المتعلق بنظام الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات ليعزز التغطية الاجتماعية للنساء في المناطق الريفية اللواتي يتحملن أعباء رعائية مضاعفة وهو ما يساهم في تقليص هشاشتهن الاقتصادية، ويتكامل هذا الإطار مع دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022 الذي يكرس مبادئ المساواة والكرامة والحماية الاجتماعية ويؤسس لسياسات رعائية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من التنمية الشاملة.
كما يبرز القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة كأداة محورية لحماية النساء من العنف الاقتصادي والتمييز في الأجر والترقية وهو ما ينعكس إيجاباً على أوضاع النساء العاملات في قطاعات الرعاية، ويضاف إلى ذلك القانون عدد 44 لسنة 2024 المنظم لعطل الأمومة والأبوة الذي يعزز التوازن بين الحياة المهنية والحياة الأسرية من خلال توسيع حقوق الأمهات والاعتراف بدور الأب في الرعاية.
وتوفر مجلة الشغل بدورها جملة من الضمانات خاصة فيما يتعلق براحة الرضاعة والعمل بنصف الوقت للأمهات وتنظيم أوقات العمل مع مقترحات حديثة لاعتماد صيغ أكثر مرونة تدعم الدور الأسري دون المساس بالحقوق المهنية، كما يشمل الإطار القانوني قوانين خاصة بحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والمسنين من خلال ضمان التغطية الصحية والتشغيل والإدماج الاجتماعي وهو ما يعزز اقتصاد الرعاية لهذه الفئات.
وفي بعده المقارن، يبرز وضع تونس كحالة متقدمة نسبيا في المنطقة العربية حيث تقضي النساء حوالي 17 ساعة أسبوعيا في العمل غير المدفوع مقارنة بأرقام أعلى في دول عربية أخرى غير أن الفجوة تبقى كبيرة مقارنة بالدول الأوروبية سواء من حيث حجم الإنفاق على الرعاية الصحية أو مستوى مشاركة النساء في سوق العمل، ففي حين تبلغ مشاركة النساء في أوروبا نحو 50% لا تتجاوز في المنطقة العربية 18%وهو ما يبرز الحاجة إلى استلهام التجارب الأوروبية في الاستثمار في الرعاية مع مراعاة الخصوصيات الوطنية.
وانطلاقا من مخرجات الاستشارة والتقارير الدولية برزت جملة من التوصيات العملية من بينها توسيع إجازات الأبوة المدفوعة والاعتراف بأعمال الرعاية غير المدفوعة ضمن الحسابات الوطنية وتعزيز الاستثمار في مراكز رعاية الأطفال والمسنين خاصة في المناطق الريفية إلى جانب دعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وريادة الأعمال النسائية في قطاع الرعاية، كما ددي إلى توسيع برامج الحماية الاجتماعية مثل برنامج «آمن» وتحسين آليات التحويلات النقدية ومواصلة حملات التوعية لتغيير المعايير الاجتماعية السائدة.
وقد اختتمت الاستشارة بالتأكيد على أن اقتصاد الرعاية ليس عبئا بل فرصة حقيقية لبناء نموذج تنموي أكثر عدلا وإنصافا تكون فيه الكرامة الإنسانية والمساواة الاجتماعية في صميم السياسات العمومية بما يرسخ موقع تونس كفاعل إقليمي في هذا المجال.
إيمان مزريقي




