بقلم عزيز بن جميع
في زمنٍ تتزاحم فيه الشاشات وتعلو فيه ضوضاء الاستهلاك الثقافي السريع، تختار الممثلة القديرة زهيرة بن عمار أن تمضي عكس التيار، وأن تؤسس فضاءً مسرحيًا نابضًا بالحياة في قلب المدينة العتيقة. هناك، في نهج العزافين بمحاذاة نهج القصبة، وُلد «مسرح السنديانة»… فضاء لا يشبه غيره، حيث يتحوّل الخشب إلى ذاكرة، والصوت إلى معنى.
ليست «السنديانة» مجرد قاعة عروض، بل رؤية ثقافية متكاملة. مكان يتعانق فيه الحجر العتيق مع الأثر، وتتماهى الأزقة مع صدى القصائد والحكايات. في هذا الركن من العاصمة، أرادت زهيرة بن عمار أن تعيد للمسرح هيبته الأولى، وأن تخلق ملاذًا للفنانين والحالمين بعيدًا عن ابتذال السطحية.
ورشات تكوين… صناعة إنسان قبل ممثل
لا يقتصر المشروع على العروض، بل يقوم أساسًا على ورشات تكوين تُراهن على بناء الإنسان عبر الفن:
- ورشة “الحكواتي الصغير”: مساحة للأطفال لاستعادة سحر الحكاية، بعيدًا عن برودة الشاشات، حيث يصبح الخيال سيّد الموقف.
- ورشة “تكوين الممثل” (13 – 17 سنة): مرحلة تُحوّل قلق المراهقة إلى طاقة إبداعية، وتمنح الشباب أدوات التعبير عن ذواتهم بثقة.
- ورشة “فن الممثل” (18 سنة فما فوق): مسار أعمق لاكتشاف الذات، والبحث عن الصدق الفني، حيث يصبح الركح مساحة مواجهة حقيقية مع النفس.
بهذه المسارات، تؤسس زهيرة بن عمار لمدرسة مسرحية تراهن على الجوهر، وتعيد الاعتبار للتكوين الجاد كشرط أساسي لأي فعل إبداعي.
فضاء مقاومة ثقافية
«السنديانة» ليست فقط مشروعًا فنيًا، بل فعل مقاومة ثقافية في قلب الأسواق الشعبية، حيث يلتقي العابرون بروح المسرح دون حواجز. إنها دعوة مفتوحة لكل من يؤمن بأن الفن ليس ترفًا، بل ضرورة، وأن الركح ما يزال قادرًا على إشعال الأسئلة الكبرى في زمن السرعة.
من قلب المدينة العتيقة، ترفع زهيرة بن عمار صوتها:
لقد بنيتُ لكم وطنًا من خشب ونور… فمن يختار أن يعتلي الركح شاعرًا؟
وهكذا تظل «السنديانة» شجرة وارفة في وجه الريح، تمدّ جذورها في التاريخ، وتفتح أغصانها نحو مستقبل يليق بالمسرح… وبالحلم.



