بقلم: عزيز بن جميع
في زمن يعلو فيه الصخب على حساب المعنى، وتُستهلك فيه الصورة أسرع مما تُبنى الفكرة، تفرض خضراء حرب حضورها بهدوء الواثقين. ليست مجرد ممثلة تعبر الشاشة أو تصعد الركح، بل صاحبة مسار فني يقوم على فلسفة دقيقة: أن تبلغ التأثير دون ضجيج، وأن تقول الكثير بأقل قدر من الاستعراض.
خضراء تنتمي إلى مدرسة “التمثيل في عدم التمثيل”، حيث تختار الصدق عوض التكلف، والتلقائية بدل المبالغة. معادلة ليست سهلة، لكنها نجحت في تحقيقها، جامِعة بين القبول الجماهيري والرصانة الأدائية، بعد تجارب مسرحية صقلت أدواتها وعمّقت رؤيتها.
حضور يصنعه الهدوء
في تجربتها بقناة الحوار التونسي، ضمن برنامجها الأسبوعي الذي تؤثثه كل أحد، لم تسع خضراء إلى خطف الأضواء، بل جعلت الأضواء تنجذب إليها. وسط أسماء لامعة مثل رانية القابسي، نجلاء بن عبد الله وآمال السماوي، وتحت إدارة إعلامية محكمة لإيمان العبيدي، استطاعت أن ترسم لنفسها ملامح خاصة.
لم تلهث وراء الكاميرا، بل تعاملت معها بعفوية ذكية، مدركة أن المشاهد المعاصر يبحث عن الصدق قبل أي شيء آخر. هكذا تحوّل حضورها إلى عنصر توازن بين رصانة الطرح ودفء الأداء، فصارت علامة ثقة لا تحتاج إلى مبالغة لتثبت نفسها.
على خشبة المسرح… البطولة بصوت منخفض
اليوم، تنتقل خضراء حرب إلى فضاء المسرح البلدي بالعاصمة، حيث يترقب الجمهور عرضها يوم 7 مارس، في عمل يجمعها بالثنائي المخضرم لطفي بندقة وفوزي كشرود. في مسرحية “يصير ع النساء”، التي تناولت بذكاء قضية إعدام صدام حسين في نص للصحفي لطفي العماري وإخراج إكرام عزوز، تقدم خضراء دورًا بطوليًا يعتمد على الاقتصاد في التعبير.
هي لا تبالغ في الانفعال، ولا تتكئ على أدوات جاهزة. بل تمنح الشخصية حقها الطبيعي في الوجود، وتتركها تتنفس فوق الركح كما لو كانت امتدادًا للحياة نفسها. أكاديميًا، يُعد هذا النوع من الأداء الأصعب، لأنه يقوم على صدق داخلي يكسر الحاجز بين الممثل والجمهور دون افتعال.
رهان الاستمرارية
ما يميز خضراء حرب حقًا هو اختيارها العمل في صمت. في زمن تُصنع فيه الضوضاء قبل الإنجاز، تراهن هي على التراكم الهادئ. تبني مسيرتها خطوة بعد أخرى، وتترك لأعمالها مهمة الحديث عنها.
هذا الصمت ليس انسحابًا، بل استراتيجية وعي فني؛ استجماع للطاقة قبل لحظة الانفجار الإبداعي. إنها دعوة للنقاد والجمهور لمتابعة فنانة تؤمن أن البصمة أهم من العنوان، وأن الأثر أصدق من الكلام.
موعد 7 مارس سيكون محطة جديدة في هذا المسار، وربما خطوة إضافية نحو تجربة سينمائية مرتقبة تكمّل وهج نجاحاتها التلفزية والمسرحية. وحتى قبل ذلك، تبدو خضراء حرب قد قطعت شوطًا كبيرًا في النضج الفني، مستحقة العلامة الكاملة في مسار يتطور بثبات… وبهدوء الكبار.



