احتضن المسرح الأثري بقرطاج مساء أمس عرض "رقوج", العمل المسرحي الموسيقي الذي وقّعه الثنائي عبد الحميد وحمزة بوشناق، وسط حضور جماهيري غفير تفاعل مع كل حركة ونغمة. أكثر من ساعتين من المسرح والغناء والرقص والموسيقى جمعها العمل لتقديم تجربة فنية متكاملة، تعكس القيم الإنسانية من وفاء وأمل وحبّ، وتعيد الجمهور إلى عمق التجربة الثقافية التونسية مع لمسات معاصرة تثير الانتباه وتشعل الانفعال.
إبداع جماعي وتكامل بصري
شارك في العرض أوركسترا موسيقية مكوّنة من 40 عازفًا بقيادة المايسترو راسم دمق، فيما صمّمت أميمة مناعي اللوحات الكوريغرافية بدقة وانسجام مع الألحان، ما منح العرض بعدًا بصريًا متكاملاً مع السرد الدرامي. الجمع بين الموسيقى، الرقص، والحركة المسرحية أتاح للجمهور تجربة حسية متكاملة تلامس الروح والوجدان.
قيم إنسانية وقضايا اجتماعية
تطرق "رقوج" إلى قضايا أساسية في المجتمع المعاصر مثل البطالة، الرشوة، الطمع، والانتهازية، مع الحفاظ على ركائز إنسانية قوية تتمثل في الوفاء، الولاء للوطن، الأمل، الأخوّة والحب بأوجهه المتعددة؛ من الحب المجنون إلى الحب النقي وغير المشروط.
وفاء للذاكرة وتكريم للأجيال السابقة
أضفى العمل بعدًا رمزيًا خاصًا عبر تكريم العاملات الفلاحيات بالأوشحة الملونة كرمز للكرامة والصمود، كما استحضر أسماء فنية راحلة تركت بصمة في المشهد الثقافي التونسي، أبرزهم أحمد العبيدي "كافون"، فتحي الهداوي، توفيق البحري، فاضل الجزيري، وياسر الجرادي، ما أضفى على العرض صبغة وفاء للذاكرة الثقافية الوطنية.
الأزياء والرمزية البصرية
الأوشحة وقطع القماش البسيطة استخدمت كرموز للانتماء للأرض والهوية الشعبية، ما ساهم في تعزيز الطابع الواقعي للعمل، وأكد أن كل عنصر بصري في "رقوج" ليس مجرد زخرفة، بل يحمل دلالة فنية وسردية.
تفاعل الجمهور وانفعال حيّ
تفاعل الحاضرون بشكل كبير مع كل المشاهد، وردّدوا الأغاني والعبارات الدرامية، ما منح العرض طابعًا احتفاليًا حيًا. اللحظات المؤثرة لم تقتصر على الأداء فقط، بل امتدت إلى القلب، خاصة أثناء تكريم الفنانين الراحلين وإهداء العرض لروح جدّ الأخوين بوشناق، محمد توفيق الفالح، الذي فارق الحياة صباح اليوم.
ختام استثنائي
مع انتهاء العرض، خرج الجمهور مُبهورًا بالتجربة الفنية الغنية، التي جمعت بين الفن، الوفاء، والذاكرة الثقافية، ليؤكد "رقوج" أن المسرح التونسي قادر على مزج الحداثة بالقيم الإنسانية العميقة، وتقديم تجربة متكاملة تترك أثرًا مستدامًا في وجدان المتلقي.