لم تعد المسألة مجرد تقارير حقوقية أو اتهامات صادرة عن منظمات مستقلة. الاحتجاز التعسفي، التعذيب، التلاعب بالإجراءات القضائية، وحكم الإعدام… كلها عناصر باتت اليوم جزءًا من ملف رسمي داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، في قضية تُحرج الدوحة وتضع شراكتها مع أوروبا أمام اختبار غير مسبوق.
في قلب هذا الملف يقف اسم طيب بن عبد الرحمن، الذي تحوّلت قضيته من مأساة فردية إلى قضية سياسية وحقوقية دولية، بعد أن أثارت طريقة احتجازه في قطر تدقيق فريق العمل الأممي المعني بالاحتجاز التعسفي، ودفعت نوابًا في البرلمان الأوروبي إلى مساءلة المفوضية الأوروبية كتابةً حول موقفها من هذه الانتهاكات.
اعتراف أوروبي رسمي… وتحفّظ دبلوماسي محسوب
في يناير/كانون الثاني 2026، أقرت المفوضية الأوروبية بأن نتائج خبراء الأمم المتحدة في قضية بن عبد الرحمن «أُخذت على محمل الجد». وهو اعتراف بالغ الدلالة، يؤكد أن القضية تتجاوز الخلافات القنصلية التقليدية، لتلامس جوهر الحقوق الأساسية وضمانات المحاكمة العادلة.
وخلص فريق العمل الأممي إلى وجود احتجاز تعسفي، وسوء معاملة، وغياب لشروط العدالة القضائية، ما وضع الاتحاد الأوروبي أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية واضحة. فحين يُتَّهم شريك استراتيجي بانتهاكات جسيمة، لا يعود الصمت خيارًا مريحًا.
رسالة إلى الدوحة: القانون الدولي ليس انتقائيًا
تؤكد المفوضية الأوروبية أنها منخرطة في اتصالات مباشرة مع السلطات القطرية عبر بعثتها في الدوحة، وبالتنسيق مع الجانب الفرنسي. ورغم اللغة الدبلوماسية الهادئة، فإن الرسالة واضحة:
الشراكة مع الاتحاد الأوروبي مشروطة باحترام حقوق الإنسان وتنفيذ توصيات الأمم المتحدة بحسن نية.
وفي هذا السياق، يبدو الموقف الأوروبي بمثابة تذكير علني بأن القانون الدولي لا يُطبّق وفق المصالح، ولا يحق لأي دولة اختيار الحقوق التي تلتزم بها وتجاهل الأخرى.
التناقض الصارخ: صورة عالمية براقة… وواقع مظلم
تكشف قضية بن عبد الرحمن تناقضًا عميقًا في السياسة القطرية. فبينما تستثمر الدوحة مليارات الدولارات في القوة الناعمة، من خلال الرياضة والدبلوماسية الثقافية والحوار الدولي، تبرز هذه القضية لتكشف واقعًا مختلفًا، تُهمَّش فيه حقوق الأفراد، وتُسخَّر فيه العدالة لخدمة اعتبارات سياسية.
وإدراج هذه القضية في إجراء برلماني رسمي أوروبي يُعد ضربة مباشرة للصورة التي تسعى قطر إلى ترسيخها عالميًا، ويضع سجلها الحقوقي تحت مجهر دولي لا يمكن تجاهله.
التزامات معلنة… وممارسات متناقضة
تشدد المفوضية الأوروبية على أن شراكة الاتحاد مع قطر ودول مجلس التعاون الخليجي تقوم على حقوق الإنسان، سيادة القانون، ومكافحة الفساد، وهي مبادئ جرى التأكيد عليها خلال قمة بروكسل في أكتوبر/تشرين الأول 2024، وفي المحافل الدولية المرتبطة باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
غير أن هذه المبادئ تصطدم، في حالة بن عبد الرحمن، بوقائع موثقة عن محاكمات غير عادلة واحتجاز تعسفي، ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول جدوى هذه الالتزامات إذا لم تُترجم إلى أفعال.
اختبار الإرادة الدولية
لم تعد قضية طيب بن عبد الرحمن مجرد ملف حقوقي عابر، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لمصداقية النظام الدولي.
فإما أن يبقى الاعتراف بالانتهاكات حبيس البيانات الدبلوماسية، أو أن يُترجم إلى ضغط فعلي، ومساءلة، وعواقب سياسية وقانونية.
وبالنسبة للمدافعين عن حقوق الإنسان، لم يعد السؤال: هل تم الاعتراف بالانتهاكات؟
فالاعتراف حصل.
السؤال الحقيقي هو: هل سيتحوّل هذا الاعتراف إلى فعل؟
قطر اليوم أمام مسؤولية مباشرة، ولم يعد هناك متسع للاختباء خلف الشعارات أو القوة الناعمة. الأنظار الدولية مفتوحة… والملف لم يُغلق بعد.



