عن دار الاتحاد للنشر والتوزيع أصدرت الشاعرة زهيرة فرج الله الزنايدي مجموعتها الشعرية الثانية "ومن عطشي تروى الأماني" التي جاءت في طبعة أنيقة، وتضمن محتواها عديد القصائد التي توزعت على 140 صفحة من الحجم المتوسط.
نحاول في هذا العرض المتواضع إيفاء هذه المجموعة الشعرية حقها من خلال هذه القراءة الاستقصائية التي حاولنا خلالها الغوص في أغوار النص وفي تفاصيله مع التركيز على الأوزان الخليلية التي التزمت بها الشاعرة في أغلبية هذا العمل، مع ضرورة التأكيد أن ما قمنا به هو عرض لكتاب وليس دراسة نقدية.
* الغلاف والإهداء
تصدّرت الغلاف صورة طغت عليها الأعشاب بصفة ليست كلية في إيحاء واضح للعطش، وفي أعلاها يتّضح الماء في رمز للارتواء وللأمل وللحياة ممّا يعني أن الصورة متماهية مع عنوان المجموعة الشعرية الذي جاء مثيرا ومربكا ممّا يجعل القارئ ينقاد إلى الاطلاع عمّا جادت به قريحة الشاعرة في هذا الأثر.
أمّا الإهداء، فقد جاء متدفّقا بالأحاسيس وبالاعتراف، حيث أهدت الشاعرة مجموعتها لزوجها في زمن لم نعهد فيه هذا النوع من الإهداء.
* حضور الوطن
لم يغب الوطن عن هذه المجموعة، كم لم تغب القضية الفلسطينية، ولم يغب بالتالي حب الشاعرة لتونس ولفلسطين حيث تقول في قصيدتها "موطني":
"موطني عش عصافير
تربّع على عرشه
خائن ومارق ومن كان للغرب أسير"..
وللضرورة طبعا، قالت "أسير" ولم تقل "أسيرا" على اعتبار أن ضروريات الشعر تتحمّل وتبيح من أجل المعنى أو القافية، وهذا ليس بغريب عن الشعر.
لم تخف الشاعرة حبها لتونس وحزنها على ما حدث لها بعد سقوط نظام الطاغية بن علي، وبعد المضي بالبلاد إلى الهاوية، فـ "الشاعر لسان قبيلته" كما قيل وهو حمّال هموم وطنه وسفير الكلمات والعاشق الوفي لأرضه، إذ تقول في ذات القصيدة "تونس موطني، خلدي"، وذلك رغم الأحزان والأوجاع والمعاناة، تناغما مع البيت الشعري الشهير: "بلادي، وإن جارت عليّ عزيزة.. وأهلي، وإن جاروا عليّ كرام" للشاعر الشريف قتادة أبي عزيز.
الوطن كان حاضرا أيضا من خلال فلسطين وقضيتها التي تعتبر قضيتنا جميعا وقضية كل حرّ رافض للظلم وللاحتلال وللصهيونية ولمخطّطها، حيث تقول في قصيدتها "لمسة يده":
"أ تشعل فيّ محرقة صبرا وشاتيلا؟
أم تراك في الهوى ضحية وفتيلا؟"
وتقول في قصيدتها "رفعت الصحف وجفّ القلم" ما يلي: "عن جرحك النازف يا فلسطين" و"بين الأصابع الداّمية حجرة" و"فلسطين لنا/ هنا صامدون/ ويرحل الغاصبون" و"حرّة، حرّة فلسطين" و"ينام في العراء يتامى فلسطين"، وتقول في قصيدتها "فلسطين لي" ما يلي: "فلسطين عمري وعمر العرب" و"للقدس حبي/ وفي القدس يسري النبيّ/ وتاريخ كلّ الكتب" و"تدور الدوائر حتما/ على المغتصب"، فالشاعرة مسكونة بحبّ فلسطين وتتبنّى قضيّتها ومقاومتها بجرأة واضحة وبأحاسيس مفضوحة، فهي صريحة مع ذاتها ومع الواقع باعتماد الوضوح المقصود، لاسيما أنها قادرة على توظيف الاستعارة والايحاء والمجاز، فالوطن لدى الشاعرة لا يتطلّب في حبّه وفي قضاياه الغموض، بل يتطلّب تسمية الأشياء بأسمائها كما يقولون.
* القاموس الرومنسي
يرى العديد أن القاموس الرومنسي ولّى وانتهى مع شعراء الرومنسية أو شعراء الرومنطيقية كما يحلو للكثيرين تسميتهم، ناسين أو متناسين أنّ قصيدة الهايكو اليابانية مثلا، تعتمد إلى الآن على هذا القاموس وأن الكثير من الشعراء الحداثيين يوظّفونه بأساليب مختلفة تساهم في بناء الصورة الشعرية وفي جمالياتها، ونحن لا نعتقد أنّ هذا القاموس حكر على جيل دون آخر لاسيما أنّه وُجد مع ظهور المسرح الذي كان شعريّا في بداياته، فأرسطو عندما وضع كتاب "فن الشعر" تحدّث فيه عن المسرح، والشاعرة زهيرة فرج الله الزنايدي وظّفت القاموس الرومنسي بكثافة تجلّت في عديد القصائد، إذ تقول في قصيدتها "ذات جنون" ما يلي: "أراك فيغدو نزيف العمر ربيعا/ وتشدو الطيور فوق الغصون" و"بك النجم قد اهتدى" و"بشاطئ عينيك ترسو سفينتي هادئة" و"تسحبك الريح بعيدا عن مداري/ وتعصف رعود الشجون" وتنكمش بتلات الزهور/ وما عدت أرى للعمر ربيعا"، وتذكر في قصيدتها "إني أتذكر": الشمس والقمر والزوابع والليل، كما تقول في قصيدتها "ذاك الربيع":
"وتشرق شمس
ويزهر ورد
ويلبس ذاك الربيع
منى سندس
سوف يكسو رباه".
وورد في قصيدتها "حبك لن أنساه" ما يلي: "وأسامر قمرا ناجيناه" و"قد تشرق شمس جديدة" و"مازلت أشتاق إلى تلك الرّبى" و"مازلت أزهو وأعشق الحياة" و"مازلت أسمع ذاك الخرير وذاك الجدول عذب المياه" وغيرها من الأمثلة التي تؤكّد تأثر الشاعرة بالبيئة التي ترعرعت فيها، فالبحر كان حاضرا بامتياز، وكذلك الشمس والقمر والورد والربيع، فقليبية كانت حاضرة في قصائدها دون أن تذكر ذلك، والعطر فاح من نصوصها رغم الوضوح ورغم بناء الصور الشعرية بأسلوب فني غير معقّد، فقد كتبت ذاتها والآخر وفق وصف دقيق نحتاجه في التجارب الشعرية الحديثة تماما كما احتاجها القدامى من الشعراء، فابن الرومي مثلا تفرّد عن معاصريه بدقّة الوصف سواء في المدح أو في الهجاء أو حتى في وصف المأكولات والمشروبات، بل إنه وظّف الأسلوب القصصي في عديد القصائد رغم أنه لم يكن يوجد آنذاك جنس أدبي اسمه "القصّة".
* الغنائية
لم تغفل الشاعرة عن العناء في قصائد المجموعة التي بين أيدينا، فالغنائية كانت مفضوحة بأسلوب جميل، إذ تقول في قصيدتها "كبريائي":
"لا يمزقني السراب
ولا الرّيح تصرعني
كي أستسلم للانكسار
وذاك الحبّ يدفعني"
وتقول في قصيدتها "روحي تغنّي":
"زمان جميل
وطقس مثير
وحبّ عظيم
وقلب أسير
وروحي تغنّي
بنبض الهدير"
فهي تعترف بالغناء وتقترفه بالأوزان الخليلية، وخصوصا منها "بحر المتقارب" الذي يعتقد الكثير أنه سهل، والحال أنه بمثابة الفخ، إذ أن وزنه سهل، لكنّ الكتابة على وزنه صعبة خصوصا في العمودي، إذ يصعب أن نحد قصيدة عمودية على هذا البحر متوسطة الجودة، فإمّا أن تبدع وإمّا أن تكتب ركاكة لا يمكن تصنيفها في خانة الشعر، وقد عرفت الشاعرة كيف تطوّع تفعيلة هذا البحر وهي "فعولن" بأسلوب غنائي سلس، ثمّ وبنوع من المعارضة للحصري وعلى تفعيلة "بحر المتدارك المحدث" (وتفعيلته: فعلن) تقول في قصيدتها "الشوق المر":
"يا شوقا مرّ أجدّدهُ
قد ذاب بكاءً سيدهُ
كم يرجو القلب لقاءكمُ
لكنّ الصدّ يباعدهُ"
وتقول في قصيدتها "أنا امرأة وهنّ أيضا":
"للحبّ عهد نما في القلب أوّلهُ
الصّدق آخره والعمر محملهُ
وذي مكاتيب شوق قد بدت ألـقًا
نار الغرام ترى وعدي فتوصلهُ"
وغيرها من النماذج التي عوّلت فيها الشاعرة على الغنائية التي نراها محبذة في الشعر، وهي عامل أساسي لتقريب النصّ الشعري من المتلقّي، فالشعر حسب رأينا جماهيري، لا نخبوي كما يدّعي الجامعيّون وخصوصا منهم دعاة الشعر وكما يدّي أيضا الفاشلون وكتبة الموت والأصنام.
إنّ الشاعر لا يمكن أن يكون نخبويّا، فالشعر لا بدّ أن يكون موجّها للعامّة بأسلوب واضح وراق وأنيق، لأنّ العامة بإمكانها أن تحضن النخبة التي لا يمكن لها احتضان العامّة.
* الاستعارة
اشتغلت الشاعرة زهيرة فرج الله الزنايدي في مجموعتها الشعرية "ومن عطشي تروى الأماني" على الاستعارة، بل كأنّنا بها قد جعلتها أداة لإيصال ما بها من أحاسيس ومن غربة في الذات إلى الآخر الموجود داخل نصّها والخارج بذاته نحو الآخر أو ربّما نحو ذاته حيث تقول في قصيدتها "الأزهار البلورية" ما يلي: "كالكذب الرّجيم"، وكأنّنا بها قد قصدت ما يسمّى بـ"الشيطان" على اعتبار أنه في المخيال هو المعني الأول والدائم والأزلي والأبدي بكونه رجيما، وهنا تطغى البلاغة على الاستعارة حسب اعتقادنا، بل إنها تجاوزت الوصف والتخييل، فهي لم تقل إن الكذب كالشيطان رجيم، بل قالت: "كالكذب الرّجيم"، وبعدها تقول: "مثل الحبّ الخؤون"، فكأن الحبّ عندها دوما خائن، بل شديد الخيانة لدرجة أن يكون خؤونا، وهنا ندرك مرة أحرى أنّ الشاعرة تشتغل على نصّها، ليس من حيث الاستعارة فحسب، وإنما أيضا من حيث توظيف الصورة والخروج بالنص الشعري من المتعارف عليه إلى ما لا تحدّه ضفتان من الكلمات والتأويل والتجاوز.
تقول في قصيدتها "إني أتذكر" ما يلي: "وأشهق بانتصاري عليك" و"وبالشمس تأتيني/ تزرعها في قلبي" و"ووسادتي شوك منثور"، فالاستعارة متوفرة بشكل رهيب في هذه النماذج شأنها شأن الصور الشعرية التي لم تغب عن هذه المجموعة وخصوصا في قصيدتي "ألبوم صور" وذاك الربيع"، فالشاعرة إذَا تدرك جيدا ما تكتب وتعي جيدا ما تقول في مجموعتها التي نرى أنها فسيفساء مترامية الألوان ومنفتحة على مدارات شتى من الاحتمالات التي قد لا نرى إلا البعض منها في نصوص متعددة القراءات لو اجتهد القارئ في ذلك.
* النفس الروائي
نؤكد أن المجموعة الشعرية التي بين أيدينا تتوفر على نفس روائي هام لدرجة اعتقادنا أن الشاعرة قد تكون بدأت مسيرتها الأدبية بكتابة الرواية، أو أنها روائية دون أن تنتبه لذلك، وقد حدث ذلك للكثير من الشاعرات والشعراء الذين انتبهوا إلى كونهم روائيين بعد سنوات من الكتابة الشعرية.
تقول في بعض قصائدها: "وأن كشف المواقع في القلب لعبة غميضة" و"فأي السهام تعود؟" و"عبثا تركن إلى مرساة اليقين" و"ها أنني أبحث عن دليل عن مخلفات تلك الحرب الباردة" و"كان صوت مزماره يرتّل آيات الترحيب" و"مدّي إليّ حبال النجاة/ فقد عجز الغواص/ وتاه في عرض بحر وصفك/ وأخذته ثناياك/ إلى مدن الضياع" و"ضوء القمر يعكس بريقك" و"أنوار المنارات بعيدة/ والموج في أعتى علوّ" و"ما كان بيدي والأحلام تراود فيّ غدا/ هناك وراء البحر/ تتفتح كزنبقة وتزهر/ وأشمّ شذاها هنا" وغيرها من النماذج التي تؤكد أن للشاعرة نفس روائي ولكنه شعري، وما الرواية الحقيقية إلا تلك التي تتوفر على زخم هائل من الشعرية ومن الصور ومن الانزياحات، وقد استطاعت الشاعرة من خلال هذه المجموعة أن تطرق أبواب الرواية وأن تلجها وأن تغوص فيها بكل ما أوتيت من صور ومن حياة ومن تفاصيل لا ينتبه لها الغافلون.
* ختاما
إن المجموعة الشعرية التي بين أيدينا جديرة بالقراءة وبالتناول النقدي، إذ عززت بامتياز المكتبة الشعرية التونسية، فقد عرفت الشاعرة كيف تكتب نصا مختلفا ومتنوعا ناهلة من كل المشارب، ونرجو من خلال هذا العرض المتواضع أن نكون قد أوفيناها وأوفينا مجموعتها الشعرية "ومن عطشي تروى الأماني" حقهما، مؤكدين مرة أخرى أن ما قمنا به هو عرض لإصدار شعري وليس دراسة نقدية.
عادل الهمامي



