في قصة تبدو أقرب إلى الخيال السياسي منها إلى الواقع، تحوّل حلم شاب بريطاني إلى مشروع “دولة” يثير الجدل في البلقان، بعدما أعلن دانيال جاكسون قيام ما أسماه بـجمهورية فيرديس على قطعة أرض متنازع عليها بين صربيا وكرواتيا.
من فكرة مراهق إلى “جمهورية” قائمة
القصة بدأت عندما كان جاكسون في الرابعة عشرة من عمره، بفكرة بدت آنذاك مجرد خيال مراهق. لكن بعد سنوات، تحولت إلى مشروع ملموس، بإعلان سيادة على مساحة تقدر بنحو 125 فدانًا، في منطقة لم تُطالب بها أي من الدولتين رسميًا، ما فتح الباب أمام مغامرة سياسية غير مسبوقة.
لم يتوقف الأمر عند إعلان الدولة، بل تجاوز ذلك إلى بناء “مؤسسات” كاملة، حيث أعلن افتتاح مكاتب تمثيلية – أقرب إلى سفارات – في كل من صربيا والمملكة المتحدة، تقدم خدمات إصدار بطاقات هوية وجوازات سفر للراغبين في الانضمام إلى هذا الكيان الناشئ.
“حكومة في المنفى” أم تجربة سيادية؟
رغم هذه الخطوات، لا تزال “فيرديس” بعيدة عن أي اعتراف دولي. بل إن التحديات تصاعدت، خصوصًا مع منع جاكسون من دخول كرواتيا، التي شددت الرقابة على المنطقة عبر كاميرات حدودية لمنع الوصول إليها.
هذا الواقع دفع مؤسس “الدولة” إلى وصف وضعه بـ”حكومة في المنفى”، في تعبير يعكس حجم الفجوة بين الطموح السياسي والواقع القانوني الدولي.
سيادة على الورق… وصراع مع القانون الدولي
القانون الدولي لا يعترف بسهولة بمثل هذه الكيانات، إذ يتطلب قيام الدولة عناصر أساسية، من بينها الاعتراف الدولي والسيطرة الفعلية على الأرض. وفي حالة “فيرديس”، لا تزال هذه الشروط بعيدة المنال، رغم محاولات إضفاء طابع رسمي عبر الأعلام والوثائق والمؤسسات.
ومع ذلك، يصر جاكسون على أن مشروعه ليس مجرد مغامرة، بل “مسألة وقت”، مؤكدًا أن غياب مطالبة رسمية بالأرض يمنحه حق المضي قدمًا.
ظاهرة “الدول الصغيرة” تعود من جديد
تجربة “فيرديس” تعيد إلى الواجهة ظاهرة “الميكرو-دول”، وهي كيانات يعلنها أفراد أو مجموعات خارج الأطر التقليدية للدول. ورغم أن معظمها يبقى رمزيًا، فإن بعضها ينجح في جذب الاهتمام العالمي، ويطرح أسئلة عميقة حول مفهوم الحدود والسيادة في العصر الحديث.
بين الحلم والواقع
ما يجعل قصة جاكسون لافتة ليس فقط جرأته، بل قدرته على تحويل فكرة بسيطة إلى مشروع يثير نقاشًا دوليًا. بين الحلم الطفولي والتعقيدات الجيوسياسية، تقف “فيرديس” اليوم كحالة فريدة، تختبر حدود الممكن في عالم تحكمه القوانين الصارمة.
وفي انتظار اعتراف لم يأتِ بعد، تبقى “دولة” جاكسون قائمة… على الأمل، وعلى إيمان شاب بأن الخريطة قد تتغير، حتى ولو بدأ ذلك بفكرة في رأس مراهق.



