رصد عزيز بن جميع
في ليلة غلب عليها شجن السؤال المعرفي وقلق التحول الرقمي، التأمت مساء الجمعة في قلب العاصمة مائدة مستديرة نظمتها الجمعية التونسية للإعلام والذكاء الاصطناعي، لتطرح قضية هي الأكثر إلحاحاً في راهننا الثقافي والمهني: "مستقبل الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي". لم تكن مجرد فعالية تقنية عابرة، بل كانت "مختبراً فكرياً" أو ورشة عمل تجمع بين عراقة العمل الصحفي وطموح الرقمنة.
سهير الحياني: حارسة المنهج في حضرة التكنولوجيا
اثرت النقاش بفيض من العمق الأكاديمي الذي جسدته الأستاذة سهير الحياني؛ فبصفتها من جهة رئيسة الجمعية و كفاءة علمية و أكاديمية في تدريس الصحافة بأسلوب حديث كان حضورها بمثابة "بوصلة" تذكّر الجميع بأن مهنة المتاعب، وإن استعارت عقل الآلة، لا يمكنها أن تفرط في قلبها النابض بالقيم.
وقد شهدت الفعالية تنويهاً مستحقاً بالدور الذي تلعبه الأستاذة الحياني في ربط الجامعة بسوق الشغل المتغير، حيث أكدت مداخلتها أن التحدي الحقيقي لا يكمن في "سرعة" إنتاج الخبر التي توفرها الخوارزميات، بل في "حصانة المنهج" و"أمانة الكلمة" التي لا تُلقن إلا في قاعات المحاضرات وبين رفوف الكتب. لقد كان صوتها تذكيراً بليغاً بأن الصحفي قبل أن يكون "تقنياً"، هو "مثقف" وصاحب رسالة. و ابدعت سهير الحياني في الموضوع باسلوبها البيداغوجي الجميل و سلاسة أفكارها.
نعيمة الشرميطي: من الفلسفة إلى الميدان عبر أثير "ديوان"
وعلى هذه الأرضية المنهجية الصلبة، جاءت مداخلة الصحفية نعيمة الشرميطي، العضو المؤسس والمكلفة بالمشاريع في الجمعية، لترسم المسارات العملية لهذا التحول. وعبر موجات إذاعة "ديوان أف أم"، ضمن برنامج "عالكيف Weekend"، أطلت الشرميطي بصوت يحمل وعي اللحظة الرقمية، واضعةً النقاط على الحروف حول أنشطة الجمعية ومشاريعها الطموحة.
الشرميطي لم تكتفِ بسرد وقائع المائدة المستديرة، بل قدمت رؤية استشرافية لدور الجمعية في تأطير الصحفيين التونسيين وتدريبهم على تطويع أدوات الذكاء الاصطناعي لتكون "خادمة" لا "سيدة". وأكدت أن المبادرات القادمة ستسعى لردم الفجوة بين التقنية والإبداع، مشددة على أن الذكاء الاصطناعي هو "مدار جديد" يحتاج إلى ربان ماهر يمتلك أدوات العصر بروح المهنة الأصيلة.
في مهب السؤال
خلصت المائدة المستديرة، بما تضمنته من مقاربات الحياني الأكاديمية القيمة ورؤى الشرميطي الميدانية، إلى أن المعركة القادمة ليست بين "الإنسان والآلة"، بل هي معركة "الوعي بالآلة". لقد كانت صرخة وعي في فضاء إعلامي يغلي بالتغيير، وتأكيداً على أن تونس، بنخبها وجمعياتها، تأبى إلا أن تكون في قلب العاصفة الرقمية، ممسكةً بقلمها الرصين في يد، وبأحدث التقنيات في اليد الأخرى.
عزيز بن جميع



