بعد أكثر من قرن على مأساة «تيتانيك» التي زعزعت ثقة البشرية في الهندسة البحرية، يطلّ العلم بابتكار قد يكون «الترياق» الفيزيائي للغرق. فقد كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Advanced Functional Materials عن تطوير أنابيب معدنية قادرة على الطفو الدائم حتى وإن امتلأت بالثقوب، في إنجاز يبدّل قواعد السلامة البحرية من جذورها.
الابتكار جاء من مختبرات جامعة روتشستر، حيث أعلن فريق بحثي بقيادة البروفيسور تشونلي جو عن تصميم أنابيب من الألومنيوم تتحدى الماء والجاذبية معًا. الفكرة لم تكن طلاءً عازلًا قد يتلاشى مع الزمن، بل إعادة هندسة هوية السطح المعدني نفسه.
من الطبيعة إلى المختبر
استلهم الباحثون تصميمهم من كائنات صغيرة بارعة في البقاء:
- عناكب الجرس الغاطسة التي تحبس فقاعة هواء حول أجسامها لتعيش تحت الماء.
- نمل النار الذي يصنع طوافات بشرية لا تغرق رغم الأمواج.
باستخدام ليزر فائق السرعة، حفر الفريق أنماطًا مجهرية دقيقة داخل الأنابيب، ما أكسب السطح الداخلي خاصية الخوف الفائق من الماء. هذه البنية الهندسية تطرد جزيئات الماء بقوة، وتخلق وسادة هوائية دائمة محاصرة داخل الأنبوب. حتى في حالات الغمر العنيف، يبقى الهواء محتجزًا بفضل فواصل ذكية تمنع تسربه، فتتحقق قوة طفو شبه «لا تُقهر».
الثقوب لا تعني الغرق
في اختبار بدا أقرب إلى الخيال العلمي، أحدث الباحثون ثقوبًا كبيرة ومتعددة في الأنابيب المعالجة. النتيجة كانت صادمة:
الأنابيب ظلت طافية لأسابيع دون أن تفقد أي جزء من قدرتها على الطفو.
يعلّق البروفيسور جو:
«أثبتنا أن الضرر المادي البالغ لا يمس جوهر الابتكار؛ فالهواء المحاصر في الداخل يحمي الهيكل من الغرق مهما كانت شدة الاصطدام».
آفاق تتجاوز السفن
لا يتوقف طموح الفريق عند إنقاذ السفن فقط، بل يمتد إلى تطبيقات استراتيجية، من بينها:
- منصات التعدين والنفط: تعزيز السلامة في مواجهة العواصف العاتية.
- طاقة الأمواج: استغلال طوافات «خالدة» لتحويل حركة المحيط إلى كهرباء نظيفة ومستدامة في أعالي البحار.
ابتكار قد يعيد كتابة معادلة الطفو، ويمنح الهندسة البحرية فرصة جديدة لتجاوز كوابيس الماضي… وربما يطوي صفحة «تيتانيك» إلى الأبد.



