في ربيع عام 1981، وخلال معرض West Coast Computer Faire بمدينة سان فرانسيسكو، شهد عالم التكنولوجيا لحظة فارقة مع الكشف عن جهاز بدا غريبًا بمعايير ذلك الزمن، لكنه سيُخلَّد لاحقًا باعتباره أول حاسوب محمول في التاريخ: جهاز Osborne 1.
ورغم أن وزنه تجاوز 24 رطلاً، أي نحو 11 كيلوغرامًا، وحجمه اقترب من حقيبة سفر صغيرة، فإن Osborne 1 كسر القاعدة السائدة آنذاك، وفتح الباب أمام فكرة لم تكن مألوفة: إمكانية حمل الحاسوب والتنقل به خارج المكتب.
ابتكر الجهاز رجل الأعمال والكاتب التقني البريطاني الأصل آدم أوزبورن، ولم يكن “محمولًا” بالمفهوم الحديث، إذ افتقر إلى بطارية داخلية وكان يحتاج إلى مصدر كهرباء دائم، كما زُوّد بشاشة صغيرة لا يتجاوز قياسها خمس بوصات. ومع ذلك، شكّل الجهاز خطوة ثورية في سوق الحواسيب، لأنه طرح لأول مرة مفهوم الحوسبة المتنقلة كواقع قابل للتطبيق.
في أيام المعرض الأولى، واجه Osborne 1 موجة تشكيك وسخرية من بعض الزوار، الذين رأوا أن شاشته محدودة وقدراته متواضعة. غير أن المشهد تغيّر جذريًا عندما أعلنت الشركة عن سعره البالغ 1795 دولارًا فقط، مرفقًا بحزمة برمجيات جاهزة كانت قيمتها السوقية تقارب 1500 دولار، تضمنت نظام التشغيل CP/M وبرامج شهيرة مثل WordStar لمعالجة النصوص وSuperCalc للجداول الحسابية.
هذا العرض غير المسبوق حوّل الجهاز إلى نجم المعرض، وسرعان ما تصدّر عناوين الصحافة التقنية. ووفق تقارير متخصصة، امتلأ جناح شركة Osborne Computer Corporation بالزوار، وانهالت الطلبات خلال أيام قليلة، في ظاهرة نادرة آنذاك.
وسرعان ما وجد Osborne 1 طريقه إلى المهنيين، من صحفيين ومحامين ومحاسبين، الذين رأوا فيه مكتبًا متنقلًا يتيح العمل من غرف الفنادق وقاعات المحاكم وحتى مناطق النزاعات. وبحلول عام 1982، كانت الشركة تشحن نحو 10 آلاف وحدة شهريًا، محققة إيرادات تجاوزت 70 مليون دولار في عامها الأول.
لكن النجاح الصاروخي لم يستمر طويلًا. فمع تصاعد المنافسة وظهور أجهزة أكثر تطورًا، ارتكبت الشركة خطأً استراتيجيًا قاتلًا بإعلانها المبكر عن نماذج جديدة، ما دفع الزبائن إلى تأجيل الشراء، وتسبب في انهيار الطلب على الجهاز الأصلي. وسرعان ما دخلت الشركة في أزمة مالية انتهت بإعلان إفلاسها عام 1983، في واقعة أصبحت تُدرّس في عالم الأعمال تحت اسم «تأثير أوزبورن».
ورغم هذا السقوط المدوي، بقي Osborne 1 علامة مضيئة في تاريخ التكنولوجيا، إذ أثبت للمرة الأولى أن الحوسبة لا يجب أن تبقى حبيسة المكاتب، ومهّد الطريق أمام الحواسيب المحمولة الحديثة، وصولًا إلى الأجهزة الذكية التي باتت اليوم جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية.



