في زمن أصبحت فيه التكنولوجيا جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، لم يعد العالم الرقمي مجرد وسيلة للتواصل أو مصدر معلومات فحسب، بل أصبح فضاءً اجتماعياً متكاملاً يؤثر مباشرة في سلوك الأفراد واستقرارهم النفسي، ويترك بصماته على الأمن المجتمعي.
ومع هذا التحول، ظهرت أنماط إجرامية مستحدثة لا تعتمد على السلاح أو العنف المادي، بل تتخذ من الضغط النفسي وانتهاك الخصوصية وسلاح التكنولوجيا الصامت وسائل لإرهاب الضحايا، في مقدمتها جرائم الابتزاز والتنمر الإلكتروني.
وأكد الدكتور محمد محسن رمضان، رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات، أن هذه الجرائم لم تعد مجرد حوادث فردية، بل أصبحت تهديداً حقيقياً للأمن المجتمعي، خصوصاً على النساء والأطفال الأكثر هشاشة أمام الابتزاز الرقمي.
وأشار رمضان إلى أن التطور في تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق (Deepfake) سمح للمجرمين بصناعة سيناريوهات ابتزازية كاملة تبدو حقيقية تماماً، مما يزيد من تعقيد الجرائم الرقمية وخطورتها النفسية. وأضاف أن أدوات المبتز الرقمي تشمل اختراق الحسابات، الهندسة الاجتماعية، التلاعب النفسي، واستغلال المحتوى المفبرك، مؤكداً أن الخطر لا يقتصر على تنفيذ التهديد، بل يشمل الرعب النفسي المستمر والعزلة والانهيار النفسي للضحايا.
كما لفت إلى أن التنمر الإلكتروني يتجلى في السخرية العلنية، انتحال الشخصيات، والتحريض الجماعي، ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب، وقد يصل إلى الانتحار في بعض الحالات المأساوية، خاصة بين المراهقين. وأكد أن النساء والأطفال مستهدفون نظراً للحساسية الاجتماعية، ضعف الوعي الرقمي، وسهولة التلاعب العاطفي.
من جانبه، أوضح اللواء محمد عبدالواحد، مساعد وزير الداخلية المصري ومدير الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات ومباحث الإنترنت الأسبق، أن التصدي لهذه الظاهرة يتطلب منظومة متكاملة تشمل:
- دمج الأمن السيبراني في التعليم.
- تمكين الفئات الهشة من فهم الخصوصية الرقمية.
- تأمين الحسابات بالمصادقة الثنائية وكلمات مرور فريدة.
- الإبلاغ الفوري عن التهديدات لضبط الجناة قبل تفاقم الأضرار.
- تقديم الدعم النفسي والقانوني للضحايا، مع حماية الأطفال وخلق بيئة حوار آمنة.
وأكد اللواء عبدالواحد أن المعركة ضد الجرائم الرقمية تُدار بالتكنولوجيا وتحسم بالقانون والدعم المجتمعي، مشدداً على أن الفضاء الرقمي الآمن حق أصيل وليس رفاهية في عالمنا المعاصر.



