بعد أكثر من قرن من اكتشافه، نجح علماء الآثار أخيراً في كشف تفاصيل واحدة من أقدم الألغاز الجنائزية في أوروبا، والمتعلقة بامرأة لُقبت بـ«أميرة باجيتش». تم العثور على رفاتها داخل تابوت خشبي نادر الحفظ سقط من جرف متآكل في شمال غرب بولندا أواخر القرن التاسع عشر، وهو اكتشاف أثار جدلاً طويلًا حول تاريخ وفاتها الحقيقي.
اكتشاف سري يعود إلى 1899
تعود القصة إلى عام 1899، عندما أدى تآكل منحدر رملي قرب قرية باجيتش إلى سقوط تابوت خشبي محفوظ بشكل نادر. داخل التابوت، اكتشف الباحثون هيكلاً عظمياً لامرأة بالغة دُفنت بعناية على جلد بقرة، وكان معها حلي مميزة تشمل دبوسًا وأساور برونزية وقلادة من الخرز الزجاجي والعنبر، ما دفع العلماء إلى وصفها مجازياً بـ«الأميرة» نظراً لمكانتها الاجتماعية المفترضة.
منذ ذلك الحين، اتفق الباحثون على أن أسلوب الدفن ينتمي إلى ثقافة Wielbark المرتبطة بالشعوب الجرمانية في العصر الروماني، إلا أن تحديد تاريخ الوفاة ظل محط جدل طويل. فقد أشارت دراسة في ثمانينيات القرن الماضي إلى أن المرأة توفيت بين عامي 110 و160 ميلادي، بينما أظهر تحليل الكربون المشع لأسنانها عام 2018 تاريخاً أقدم بكثير يعود إلى الفترة بين 113 قبل الميلاد و65 ميلادي.
التأريخ الشجري يحسم الجدل
لحسم هذا التناقض، لجأ فريق بحثي بقيادة عالمة الآثار Marta Chmiel-Chrzanowska من University of Szczecin إلى تحليل حلقات نمو الخشب (التأريخ الشجري) للتابوت نفسه. أظهرت النتائج أن شجرة البلوط المستخدمة في صنع التابوت قُطعت نحو عام 120 ميلادي، ما يعني أن الدفن حدث بالفعل في العصر الروماني المتأخر، ومتوافق تمامًا مع تاريخ الحلي الجنائزية.
وأوضحت الباحثة أن تاريخ الكربون المشع لأسنان المرأة كان مضللاً على الأرجح بسبب ما يُعرف بـ«تأثير الخزان البحري»، حيث يبدو الأفراد الذين يعتمدون على غذاء غني بالأسماك أو الموارد البحرية أقدم زمنياً عند التأريخ بالكربون المشع، نتيجة اختلاف عمر الكربون في البيئات المائية مقارنة بالبرية.
مقبرة نادرة وحفظ استثنائي
توفر حالة «أميرة باجيتش» مثالاً نادراً على حفظ التوابيت الخشبية في شمال أوروبا، وتقدم معطيات مهمة عن طقوس الدفن والبيئة الرطبة التي سمحت ببقاء المواد العضوية لقرون. ورغم حل لغز تاريخ وفاتها، تؤكد الدراسة أن هويتها الاجتماعية وأصولها الثقافية لا تزالان مجالاً للبحث المستقبلي، ما يجعل هذا الدفن واحداً من أكثر الاكتشافات إثارة في علم آثار أوروبا القديمة.
نافذة على حياة النخبة في العصر الروماني
الحلي المصاحبة للدفن، بما في ذلك دبوس الأساور والقلادات المزخرفة، تعكس مستوى رفيع من الحرفية والرمزية، وتبرز دور النخبة في الهيكل الاجتماعي للثقافة الجرمانية في تلك الفترة. كما يشير الدفن المتقن إلى ممارسات طقوسية دقيقة، حيث كان الموت يُنظر إليه كمرحلة انتقالية تُحافظ على مكانة الفرد حتى في العالم الآخر.
يعد هذا الاكتشاف مثالاً حيًا على تحديات التأريخ الأثري، وكيف يمكن للتقنيات الحديثة مثل التأريخ الشجري أن تصحح معلومات مضللة نتيجة الاعتماد على أساليب أقدم. كما يسلط الضوء على التفاعل بين الإنسان وبيئته في العصور القديمة، وكيف يمكن للظروف الطبيعية مثل الرطوبة وحفظ الخشب أن تصنع نافذة فريدة عبر الزمن على حياة الشعوب القديمة.



