تستعد الساحة الفكرية والثقافية في تونس والعالم العربي لاستقبال إصدار فلسفي جديد يُنتظر أن يشكل إضافة نوعية إلى المكتبة العربية، إذ أعلنت شركة لوغوس للنشر والتوزيع عن قرب صدور كتاب "الطريقة والحقيقة في البراغماتية والتحليلية..." للمفكر والباحث التونسي الدكتور مصطفى الكيلاني، في عمل يُواصل من خلاله مشروعه الفلسفي الممتد منذ سنوات، والذي رسخ حضوره بين أبرز المشاريع الفكرية العربية المعاصرة.
ولا يأتي هذا الإصدار باعتباره كتاباً مستقلاً فحسب، بل يمثل حلقة جديدة في مشروع فلسفي متكامل انشغل بأسئلة الإنسان والوجود والمعرفة، بعد مؤلفات لاقت اهتماماً في الأوساط الأكاديمية، من بينها: الفلسفة والدين، الفلسفة والمدينة، التأويل المحايث والتأويلية، الرغبة والمحبة، الزمن الوجودي، الإسلام والآخر؟، الزمن التاريخي – إمكان التاريخ علماً؟، فينومينولوجيا الروح: هيغل قارئاً وهيغل مقروءاً، والدم ورموزه بالحكاية والحرب.
ويضع الكتاب الجديد قضية الحقيقة في قلب النقاش الفلسفي، من خلال مساءلة مفهوم الشك بوصفه مدخلاً للمعرفة، مستحضراً الإرث الفلسفي القديم منذ بيرون، وصولاً إلى تطور هذا السؤال في الفلسفة الحديثة والمعاصرة، خاصة في فلسفة العلوم واللغة والأخلاق والاجتماع، حيث يناقش مفاهيم الصواب والخطأ والنسبية وإمكان الوصول إلى الحقيقة عبر البحث والتمحيص، بعيداً عن فكرة الحقيقة المطلقة والنهائية.
ويتوزع الكتاب على فصول تتناول أبرز أعلام البراغماتية والتحليلية، فيبدأ بمدخل عام إلى الفلسفة الأمريكية، ثم ينتقل إلى قراءة فلسفة وليام جايمس باعتباره مؤسس البراغماتية الأمريكية، قبل التوقف عند المقارنة بينه وبين جون ديوي، ثم يعالج مشروع ريتشارد رورتي في البراغماتية الجديدة، ويخصص فصلاً لـ إدموند هوسرل لبحث العلاقة بين الفينومينولوجيا والحقيقة، ليختتم بدراسة فلسفة لودفيغ فيتغنشتاين وتحولاتها بين التحليلية والتأثيرات البراغماتية.
ومن أكثر الجوانب الإنسانية تأثيراً في هذا العمل، ما كشفه المؤلف في نص الغلاف، حيث أوضح أن فكرة الكتاب تعود إلى رسالة تلقاها في مطلع تسعينيات القرن الماضي من المفكر العربي الراحل مطاع صفدي، الذي دعاه إلى إنجاز دراسة حول الفلسفة التحليلية وفلسفة اللغة لصالح "مركز الإنماء القومي". غير أن المشروع توقف آنذاك، قبل أن يعثر الكيلاني، بعد نحو ثلاثين عاماً، على تلك الرسالة أثناء مراجعة أرشيفه، فقرأها وكأنها وصية فكرية، ليقرر إنجاز الكتاب وفاءً لصديقه الراحل واستجابة لندائه المؤجل.
ولا يكتفي المؤلف بعرض تاريخ البراغماتية والتحليلية، بل يطرح سؤالاً فلسفياً عميقاً حول طبيعة العلاقة بين المدرستين: هل هما متعارضتان أم متكاملتان؟ وكيف تفاعلتا تأثيراً وتأثراً، اتفاقاً واختلافاً، في بناء التصورات الحديثة للحقيقة والمعرفة؟
ويُنتظر أن يحظى هذا الإصدار باهتمام واسع لدى الجامعات ومراكز البحث والمهتمين بالفكر الفلسفي، باعتباره مرجعاً جديداً يثري النقاش حول واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في الفلسفة المعاصرة، ويؤكد في الآن ذاته استمرار مصطفى الكيلاني في تشييد مشروع فكري عربي رصين، يراهن على إعادة طرح الأسئلة الكبرى بعين نقدية ومنهج علمي متجدد.



