في ظل الثورة الرقمية التي غزت حياتنا اليومية، أصبح استدراج الأطفال عبر شبكات التواصل الاجتماعي ظاهرة متفاقمة تشكل تهديدًا بالغ الخطورة على أمنهم النفسي والاجتماعي، وفق ما أكده الباحث في علم الاجتماع طارق السعيدي. وأوضح السعيدي أنّ هذه الظاهرة لم تعد مجرد ترفيه أو فضول بريء، بل تحولت إلى أداة لاستغلال الأطفال في مجالات خطرة تتراوح بين المخدرات والاستغلال الجنسي والاتجار بالبشر.
ويرى السعيدي أنّ ما يحدث على المنصات الرقمية يدخل في إطار “سلعنة” الطفل، حيث يتم تحويله من كائن حي له حقوقه وفضوله الطبيعي إلى مستهلك سلبي للعرض والطلب الرقمي العالمي، مع استخدام تطبيقات وخوارزميات معقدة تنتهك معطياته الشخصية وتستغل هشاشته الاجتماعية والنفسية. وأضاف أنّ وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد فضاءات للتواصل، بل أصبحت مصدرًا جديدًا للقيم والسلوكيات، غالبًا ما تتقاطع مع العنف والجريمة والسلوكات المحفوفة بالمخاطر، ما يجعل الطفل أكثر عرضة للتأثر والتقليد.
وأكد الباحث أنّ حماية الأطفال من هذه المخاطر الرقمية تبدأ داخل الأسرة، مع ضرورة اعتماد الحوار والنقد بدل الرقابة السلطوية، لا سيما بالنسبة للأطفال الذين يعانون من عزلة أو هشاشة اجتماعية. كما شدّد على دور الدولة الرقابي والوقائي، من خلال توفير فضاءات ثقافية بديلة وغنية بالقيم الإيجابية، مثل التضامن، الأخوة، وخدمة الإنسانية، لضمان توازن الطفل النفسي والاجتماعي.
وتتزامن هذه التحذيرات مع دعوات صادرة عن المنظمات الدولية، التي اعتبرت أنّ ما يحدث خلف الشاشات لا يقل خطورة عن الجرائم الواقعية، وأن الأطفال الذين يُستدرجون رقميًا هم ضحايا حقيقيون يتعرض مستقبلهم للخطر. وأبرزت هذه المنظمات ضرورة تحرك عاجل وحازم قبل أن تتحول هذه الجرائم الصامتة إلى كارثة مجتمعية لا يمكن السيطرة عليها.
في هذا الإطار، تم إطلاق الميثاق الوطني لدعم قدرات الأسرة لحماية الطفل في الفضاء الرقمي في 20 نوفمبر 2025، الذي يسعى إلى تأطير التعاون بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، وضمان التزام مزودي الخدمات بدورهم التوعوي والوقائي. ويهدف الميثاق إلى تعزيز قدرات الأسرة على مواجهة المخاطر الرقمية، وتطوير برامج التربية الوالدية الرقمية، وتحقيق التنسيق الوطني بين مختلف المتدخلين من وزارات، هيئات اتصال، مشغلي شبكات، ومؤسسات المجتمع المدني، لضمان بيئة آمنة للأطفال داخل الفضاء الرقمي.
إن واقع الأطفال اليوم في العالم الرقمي يفرض ضرورة إعادة التفكير في حماية الطفولة، ليس فقط كواجب قانوني وأخلاقي، بل كاستثمار في أجيال قادرة على مواجهة تحديات المستقبل بثقة وأمان.



