كشف بحث علمي حديث عن تفسير لافت لظاهرة اجتماعية شائعة تُعرف بـ“مشكلة حفل العشاء”، حيث تفقد المجموعات الكبيرة قدرتها على الحفاظ على نقاش موحّد، بعكس المجموعات الصغيرة التي تنجح في إدارة حوار عميق ومتماسك.
وتؤكد الدراسة أن الحدّ الفاصل يكمن في العدد: فالمجموعات التي تضم أربعة أشخاص أو أقل تستطيع الحفاظ على محادثة واحدة مشتركة، بينما يبدأ التفاعل في التفتت بمجرد وصول العدد إلى خمسة، ليتحول النقاش إلى مجموعات جانبية صغيرة.
وترى الباحثة جايمي كريمس، أستاذة علم النفس بجامعة ولاية أوكلاهوما، أن هذه الظاهرة ليست عابرة، بل تعود إلى جذور تطورية عميقة. وتستند في طرحها إلى أفكار عالم النفس التطوري روبن دنبار، صاحب نظرية “عدد دنبار” التي تحدد سقف العلاقات الاجتماعية البشرية بنحو 150 فردًا.
لكن الجديد في هذا البحث هو التركيز على المجموعات الصغيرة، حيث يظهر أن الرقم “أربعة” يمثل نقطة التوازن في التفاعل الجماعي. فبحسب الدراسة المنشورة في مجلة Evolution and Human Behavior، يعتمد التفسير على مفهوم “الديادات” أو العلاقات الثنائية، باعتبارها الوحدة الأساسية لأي تفاعل اجتماعي.
فعندما تضم المجموعة أربعة أشخاص، تنشأ ستة أزواج من التفاعل، ما يمنح كل فرد قدرة معقولة على التأثير في مجريات الحوار. أما في مجموعة من خمسة أشخاص، فيرتفع عدد العلاقات إلى عشرة، لكن أغلبها لا يشمل كل الأفراد، ما يؤدي إلى تراجع تأثير البعض وشعورهم بالتهميش.
هذا “الاختلال في القوة الحوارية”، وفق الباحثين، قد يكون له بعد تطوري مهم، إذ كان الإقصاء الاجتماعي في المجتمعات القديمة يمثل خطرًا حقيقيًا على فرص البقاء، ما جعل الإنسان يميل غريزيًا إلى البيئات التي تضمن له حضورًا وتأثيرًا.
اللافت أن هذه القاعدة لا تقتصر على الواقع اليومي، بل تظهر أيضًا في الأدب والفنون؛ إذ غالبًا ما تقتصر الحوارات في مسرحيات ويليام شكسبير على أربع شخصيات، كما نادرًا ما تتجاوز المشاهد الجماعية في الأفلام هذا العدد عند إدارة حوار متزامن.
وتخلص الدراسة إلى أن الحفاظ على توازن عدد المشاركين داخل أي نقاش ليس مجرد مسألة تنظيمية، بل هو انعكاس لآليات نفسية وتطورية عميقة، تهدف في جوهرها إلى تجنب التهميش وضمان مشاركة فعّالة للجميع.



