بقلم أميرة قارشي
شهدت الحياة الثقافية بمدينة وادي مليز، أواخر الأسبوع الماضي، حراكاً ثقافياً وتربوياً مميّزاً، من خلال تنظيم سلسلة من الأنشطة والتظاهرات الموجّهة للأطفال، بهدف ترسيخ الذاكرة النضالية الوطنية وتعزيز قيم المواطنة والانتماء، وذلك تزامناً مع إحياء الذكرى الثالثة والستين لعيد الجلاء.
وانتظمت هذه المبادرة ببادرة مشتركة من دار الثقافة والمكتبة العمومية بوادي مليز، بالشراكة مع المكتبة الجهوية بجندوبة وبدعم منها، وتحت إشراف المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بجندوبة، بمشاركة تلامذة المدرسة الابتدائية 4 أفريل 1938، الذين أثثوا فضاء المكتبة العمومية بمجموعة من الورشات الإبداعية والتربوية.
ورشات إبداعية لاستحضار الذاكرة الوطنية
وتضمّن البرنامج ورشات في البراعات اليدوية والخط العربي والتلوين والرسم، ارتبطت مضامينها بالذاكرة النضالية الوطنية، بما أتاح للأطفال فرصة التعبير عن اعتزازهم بتاريخ بلادهم من خلال الفن والإبداع، والتعرّف إلى أبرز المحطات التي ساهمت في بناء الدولة التونسية المستقلة.
كما شارك التلامذة في لقاء فكري قدّم خلاله الأستاذ الحبيب معزاوي معطيات تاريخية حول جلاء المستعمر الفرنسي عن تونس، وأهمية استقلالية القرار الوطني في مسار بناء الدولة الحديثة. وتطرّق اللقاء إلى الجلاء الزراعي سنة 1964، باعتباره محطة مهمة في استكمال السيادة الوطنية وتعزيز قدرة البلاد على التحكم في مواردها وتحقيق أمنها الغذائي.
وقد مثّل هذا اللقاء فرصة لترسيخ الوعي الوطني لدى الناشئة، وتعزيز قيم التعويل على الذات والتعلّق بالوطن والعمل من أجل خدمته والدفاع عن مكتسباته بالعلم والفكر والإبداع.
معرض وثائقي وشريط عن معركة الجلاء
وتعزّز البرنامج الثقافي بتنظيم معرض وثائقي جسّد، من خلال الصور، مجموعة من الأحداث والمحطات النضالية الوطنية التي طبعت تاريخ تونس، إلى جانب عرض شريط وثائقي حول معركة الجلاء، أعقبه نقاش ساهم في تعميق فهم المشاركين لدلالات هذه المحطة التاريخية وما تحمله من معاني التضحية والصمود دفاعاً عن السيادة الوطنية.
وقد جمعت هذه الفقرات بين التوثيق التاريخي والتفاعل التربوي، بما جعل الفضاء الثقافي مجالاً مفتوحاً للتعلّم والحوار واستكشاف الذاكرة الوطنية بأساليب قريبة من اهتمامات الأطفال وقدراتهم على الاستيعاب.
الثقافة رافعة للتربية على المواطنة
وواكب هذه الأنشطة، إلى جانب إطارات المكتبة العمومية ودار الثقافة بوادي مليز، منصف كريمي، كاهية مدير التظاهرات والمؤسسات الثقافية بالمندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بجندوبة، والأستاذة آمال منصوري، أستاذة بالمدرسة الابتدائية 4 أفريل 1938 بوادي مليز.
وثمّن ممثل المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بجندوبة هذا النشاط وأبعاده الرمزية والتربوية، مؤكداً أهمية مثل هذه المبادرات في تحسيس الناشئة بقيم الوطنية والمواطنة، وترجمة روح الانتماء إلى سلوكيات إيجابية ومسؤولة، بما يسهم في تحصينهم من المخاطر والتحديات التي يواجهها المجتمع اليوم.
وتؤكد هذه المبادرة الدور المحوري الذي تضطلع به المؤسسات الثقافية والتربوية في نقل الذاكرة الوطنية إلى الأجيال الجديدة، وتحويلها من أحداث تاريخية إلى رصيد من القيم والمبادئ التي تساعد على بناء شخصية الطفل وتعزيز إحساسه بالمسؤولية تجاه وطنه.
ففي وادي مليز، لم تكن الأنشطة مجرّد ورشات فنية ولقاءات فكرية، بل كانت موعداً مع الذاكرة الوطنية ورسالة تربوية تؤكد أن حبّ الوطن يُغرس بالمعرفة، ويتعزّز بالإبداع، ويُترجم إلى عمل ومسؤولية.


