الزهايمر في تونس.. مرض صامت يطرق أبواب 70 ألف شخص

الزهايمر في تونس.. مرض صامت يطرق أبواب 70 ألف شخص

في اليوم العالمي للزهايمر.. النسيان ليس دائماً مجرد تقدّم في السن، والتشخيص المبكر قد يغيّر مسار حياة المريض وعائلته

في 21 سبتمبر من كل عام، يكتسب الحديث عن مرض الزهايمر أهمية خاصة مع إحياء اليوم العالمي للزهايمر، وهي مناسبة تتجدد خلالها الدعوات إلى تعزيز الوعي بهذا المرض، وتشجيع التشخيص المبكر، وتحسين التكفل بالمرضى ومساندة عائلاتهم في رحلة طويلة قد تمتد لسنوات.

وفي تونس، لا تزال الإحصائيات الدقيقة حول عدد المصابين بالزهايمر غير متوفرة، غير أن تقديرات تشير إلى أن عدد المرضى قد يتراوح بين 50 و70 ألف شخص، وفق ما أفادت به أستاذة طب الأعصاب بمستشفى الرازي، الدكتورة إيمان قاسم، خلال حضورها اليوم الاثنين 21 سبتمبر 2026 في برنامج «صباح الناس».

وراء هذه الأرقام، توجد آلاف العائلات التي تواجه مرضاً لا يقتصر تأثيره على الذاكرة، بل يتسلل تدريجياً إلى تفاصيل الحياة اليومية، ويغيّر علاقة المريض بمحيطه وبذاته.

الزهايمر ليس كل الخرف

توضح الدكتورة إيمان قاسم أن الخرف مفهوم أوسع من مرض الزهايمر، إذ يشمل مجموعة من الأمراض والاضطرابات التي تؤثر في القدرات العقلية والإدراكية، مثل الذاكرة واللغة والانتباه والسلوك والقدرة على أداء المهام اليومية.

أما الزهايمر، فهو أكثر أنواع الخرف شيوعاً، لكن الإصابة بالخرف لا تعني بالضرورة أن الشخص مصاب بمرض الزهايمر.

وغالباً ما تبدأ أعراض الزهايمر بمشكلات مرتبطة بالذاكرة، قبل أن تمتد تدريجياً إلى وظائف إدراكية أخرى، مثل اللغة والحساب والانتباه، ثم قد تؤثر في مراحل لاحقة في السلوك والقدرة على القيام بالأنشطة اليومية.

متى يصبح النسيان مدعاة للقلق؟

ليس كل نسيان علامة على الإصابة بالزهايمر.

وتشدد الدكتورة قاسم على ضرورة وضع النسيان في سياقه الطبيعي ومقارنته بما كان عليه الشخص سابقاً، مع الانتباه إلى تكرار الأعراض وتفاقمها وتأثيرها في الحياة اليومية.

ومن العلامات التي قد تستوجب استشارة الطبيب، أن يصبح فقدان الذاكرة متزايداً إلى درجة تعيق الحياة اليومية، أو أن يجد الشخص صعوبة متكررة في اكتساب معلومات جديدة، رغم قدرته على استرجاع أحداث قديمة بتفاصيل دقيقة.

وتفسر الدكتورة قاسم ذلك بأن المعلومات القديمة تكون قد خُزنت في الذاكرة قبل ظهور المرض، في حين تتأثر قدرة الدماغ على تخزين معلومات جديدة مع تطور الزهايمر.

العمر عامل مهم.. لكنه ليس وحده

يعد التقدم في السن أحد أبرز عوامل خطر الإصابة بالخرف، إذ يرتفع احتمال الإصابة بشكل واضح مع تقدم العمر. وتشير المعطيات التي عرضتها الدكتورة قاسم إلى أن الخرف قد يصيب نحو شخص من بين كل ثلاثة أشخاص ممن تجاوزوا سن الثمانين.

كما يمكن للعامل الوراثي أن يؤدي دوراً في زيادة الخطر، خصوصاً لدى الأشخاص الذين لديهم أقارب من الدرجة الأولى مصابون بالزهايمر، غير أن وجود تاريخ عائلي للمرض لا يعني حتمية الإصابة به.

وفي المقابل، توجد عوامل أخرى يمكن التحكم في جزء منها من خلال الوقاية ونمط الحياة.

القلب والدماغ.. علاقة لا يمكن تجاهلها

لا ينفصل الحفاظ على صحة الدماغ عن الصحة الجسدية العامة. فارتفاع ضغط الدم والسكري واضطرابات الدهون في الدم وأمراض القلب يمكن أن تؤثر في صحة الدماغ، كما يرتبط النظام الغذائي غير المتوازن وقلة النشاط البدني والسمنة بارتفاع عدد من عوامل الخطر.

ولهذا، فإن الوقاية لا تبدأ عند ظهور الأعراض الأولى، وإنما يمكن أن تكون جزءاً من نمط الحياة منذ سنوات مبكرة.

وتبرز هنا أهمية التغذية المتوازنة، والنشاط البدني، والنشاط الذهني والاجتماعي، والنوم الجيد، إلى جانب متابعة الأمراض المزمنة وعلاجها.

كما حذرت الدكتورة قاسم من تأثير استهلاك المخدرات على الدماغ، ونبهت إلى أن بعض الأدوية المستخدمة للمساعدة على النوم قد تؤثر في الذاكرة، وهو ما يجعل استعمالها أمراً يستوجب استشارة الطبيب.

بعد التقاعد.. لا تتركوا الدماغ بلا نشاط

قد يمثل التقاعد مرحلة حساسة بالنسبة إلى كبار السن، خصوصاً عندما يؤدي توقف العمل إلى تراجع النشاط اليومي والاجتماعي.

وتؤكد الدكتورة قاسم أهمية استمرار الشخص في ممارسة أنشطة ذهنية واجتماعية بعد التقاعد، إلى جانب القراءة والرياضة والحفاظ على العلاقات الاجتماعية.

كما أن ضعف السمع أو البصر قد يدفع الشخص إلى الانعزال، وهو ما يمكن أن يؤثر سلباً في نشاطه العقلي والاجتماعي.

ومن هنا، يصبح الحفاظ على التواصل مع الآخرين، والمشاركة في الأنشطة، والقراءة والحركة، جزءاً من نمط حياة يساعد على إبقاء الدماغ نشطاً.

والرسالة الأساسية، وفق الدكتورة قاسم، هي أن البدء مبكراً في تبني نمط حياة صحي ونشط أفضل من انتظار ظهور الأعراض.

عندما يصبح المرض مسؤولية عائلة كاملة

الزهايمر ليس مرضاً يواجهه المريض وحده.

فمع مرور الوقت وتطور المرض، تضطر العائلة إلى التكيف مع تغيرات تطال الذاكرة والسلوك والقدرة على القيام بالمهام اليومية. وقد تتحول الرعاية تدريجياً إلى مسؤولية يومية تتطلب معرفة وصبراً ودعماً مستمراً.

وتشير الدكتورة قاسم إلى أن بعض العائلات لا تلجأ إلى الطبيب إلا بعد وصول المرض إلى مراحل متقدمة، حين يكون فقدان الذاكرة واضحاً وتظهر تغيرات كبيرة في السلوك.

ويؤدي هذا التأخر في بعض الحالات إلى تأخير التشخيص والتكفل المناسب، لذلك تشدد على ضرورة عدم التعامل مع التغيرات المتكررة في الذاكرة والسلوك باعتبارها مجرد نتيجة حتمية للتقدم في السن.

مركز الزهايمر بالرازي.. نحو أرقام أدق ورعاية أوسع

يضم مستشفى الرازي مركزاً للزهايمر تابعاً لقسم طب الأعصاب، تحت إشراف الدكتور رياض قويدر، وقد تم اعتماده كمركز متعاون مع منظمة الصحة العالمية.

ومن شأن هذا المسار أن يساهم في تحسين متابعة المرض وتوفير معطيات أكثر دقة حول عدد المصابين وواقع الزهايمر في تونس.

كما يعمل المركز على برنامج «أنا أُعين» الموجه إلى الأشخاص الذين يتولون رعاية مرضى الزهايمر، من خلال تكوينهم وتزويدهم بالمعارف الضرورية للتعامل مع المرضى. وقد استفاد من البرنامج، إلى حد الآن، أكثر من 600 شخص، وفق الدكتورة إيمان قاسم.

المعركة ليست ضد المرض فقط

في اليوم العالمي للزهايمر، لا يتعلق التحدي فقط بالبحث عن علاج للمرض، بل أيضاً بكيفية ضمان حياة أكثر كرامة للمصاب ومساندة الأشخاص الذين يرافقونه يومياً.

فالتشخيص المبكر، والوقاية، والمتابعة الطبية، والنشاط البدني والذهني والاجتماعي، إلى جانب تكوين أفراد العائلة، كلها حلقات مترابطة في مواجهة مرض قد يمتد تأثيره لسنوات.

وفي انتظار توفر أرقام وطنية أكثر دقة، تبقى تقديرات 50 إلى 70 ألف مصاب مؤشراً على حجم التحدي الصحي والاجتماعي في تونس.

فالزهايمر قد يبدأ بنسيان اسم أو موعد أو حديث عابر، لكنه لا ينبغي أن يبدأ معه تجاهل الأعراض. وبين نسيان طبيعي يتكرر من حين إلى آخر، وتغير مستمر يهدد استقلالية الإنسان، قد تكون استشارة الطبيب هي الخطوة التي تصنع الفارق.