تونس ليست مجرد أرض صغيرة على الخريطة… إنها مفتاح المتوسط الذي تتصارع عليه القوى الكبرى منذ 3000 عام!

تونس ليست مجرد أرض صغيرة على الخريطة… إنها مفتاح المتوسط الذي تتصارع عليه القوى الكبرى منذ 3000 عام!

كتاب «خريطة الطريق في سبر أغوار المضيق» لماجد البرهومي يعيد قراءة التاريخ التونسي من زاوية الجغرافيا والاستراتيجية… فهل كانت ثروة تونس الحقيقية في موقعها لا في باطن أرضها؟

ماذا لو كانت الأهمية الاستراتيجية لتونس أكبر بكثير مما نتصور؟ وماذا لو لم تكن ثروتها الأهم في النفط والغاز والفوسفات، بل في موقع جغرافي جعلها، منذ آلاف السنين، نقطة تقاطع للمصالح التجارية والعسكرية والسياسية، ومسرحاً للتنافس بين إمبراطوريات وقوى كبرى سعت إلى السيطرة على البحر الأبيض المتوسط؟

هذا السؤال هو المدخل الذي يطرحه كتاب «خريطة الطريق في سبر أغوار المضيق»، للكاتب ماجد البرهومي، الصادر عن دار خريّف للنشر، والذي يقدم قراءة مختلفة للتاريخ التونسي، تنطلق من الجغرافيا السياسية، وتحديداً من موقع تونس المحوري في محيط مضيق صقلية، أحد أهم الممرات البحرية في البحر الأبيض المتوسط.

فالحديث هنا لا يتعلق بمجرد شريط ساحلي أو مساحة جغرافية محدودة، وإنما بموقع استثنائي يفصل بين الضفتين الأوروبية والإفريقية، ويربط غرب المتوسط بشرقه، ويمنح من يملك القدرة على التأثير فيه أوراقاً مهمة في معادلات التجارة والطاقة والأمن والملاحة الدولية.

مضيق صقلية… الجغرافيا التي صنعت التاريخ وأشعلت الصراعات

على امتداد قرون طويلة، لم تكن تونس مجرد شاهد على التحولات التي عرفها المتوسط، بل كانت جزءاً من قلب الصراع على النفوذ فيه.

من قرطاج، التي أدركت مبكراً قيمة السيطرة البحرية وبناء القوة التجارية والعسكرية، إلى الحروب البونية التي وضعت روما وقرطاج في مواجهة تاريخية كبرى، ظل التحكم في طرق الملاحة والممرات البحرية عاملاً حاسماً في صعود القوى وسقوطها.

ولم تتوقف أهمية المنطقة عند العهد القديم، فقد اكتسبت الجغرافيا التونسية أبعاداً جديدة مع الفتح الإسلامي لصقلية سنة 827 ميلادية، في حملة ارتبطت باسم القائد والفقيه أسد بن الفرات، الذي انطلق من إفريقية ليقود واحدة من أبرز المحطات العسكرية في تاريخ العلاقات بين الضفتين.

وفي العصور اللاحقة، تحولت السواحل التونسية ومياه المتوسط المحيطة بها إلى فضاء للتنافس العثماني الإسباني، حيث تداخلت الحسابات العسكرية والدينية والتجارية، وأصبحت السيطرة على الموانئ والجزر والممرات البحرية جزءاً من معركة النفوذ الإقليمي.

ثم جاءت المرحلة الاستعمارية لتكشف مجدداً أن الجغرافيا ليست تفصيلاً ثانوياً في حسابات الدول. فالوجود الفرنسي في تونس لم يكن منفصلاً عن موقعها الاستراتيجي، كما أن معركة الجلاء عن بنزرت سنة 1961 مثلت محطة بارزة في الصراع من أجل استكمال السيادة الوطنية والتحرر من السيطرة العسكرية الأجنبية.

تونس في الحسابات الدولية… أكثر من مجرد دولة متوسطية

في عالم اليوم، تغيرت أدوات الصراع، لكن قيمة الجغرافيا لم تتراجع.

لم تعد السيطرة على البحار مرتبطة بالسفن الحربية وحدها، بل أصبحت تشمل أمن الطاقة، وحماية طرق التجارة، ومراقبة حركة السفن، وشبكات الاتصالات البحرية، وكابلات الإنترنت العابرة للقارات.

ومن هنا تبرز أهمية الموقع التونسي في الحسابات الجيوسياسية المعاصرة.

فتونس تقع بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في المتوسط، وتجاور فضاءً تتقاطع فيه المصالح الأوروبية والأمريكية والإفريقية، كما تمثل نقطة اتصال طبيعية بين شمال إفريقيا وجنوب أوروبا.

وفي ظل التحولات التي يشهدها العالم، من إعادة رسم خرائط الطاقة إلى التنافس على الممرات التجارية والبنى التحتية الرقمية، يصبح السؤال عن القيمة الاستراتيجية لتونس سؤالاً يتجاوز حدود الاقتصاد الوطني إلى مستقبل موقعها في النظام الدولي.

فهل تستطيع تونس تحويل موقعها الجغرافي إلى قوة اقتصادية وسياسية حقيقية؟ وهل يمكن أن تصبح جسراً للطاقة والاتصالات والتجارة بين القارتين، بدلاً من الاكتفاء بدور الممر الجغرافي؟

من عرفة الشابي إلى حمودة باشا… شخصيات تكشف وجهاً آخر من التاريخ

لا يقتصر الكتاب على استحضار الجغرافيا والصراعات الكبرى، بل يفتح نوافذ على محطات وشخصيات من التاريخ التونسي لا تحظى دائماً بالاهتمام الكافي في القراءات التقليدية.

ومن بين الملفات التي يثيرها، تجربة عرفة الشابي ودولة المقاومة في القيروان، في محاولة لإعادة تسليط الضوء على أشكال المقاومة والتحولات السياسية التي عرفتها البلاد.

كما يتوقف عند شخصية حمودة باشا، إحدى أبرز الشخصيات في تاريخ تونس خلال العهد الحسيني، وما ارتبط بفترته من تحولات في علاقة الإيالة التونسية بالقوى الأوروبية، ومن بينها البندقية.

وتكشف هذه المحطات أن التاريخ التونسي لم يكن مجرد سلسلة من الأحداث المحلية، بل كان متشابكاً مع التوازنات الإقليمية والدولية، وأن شخصياته السياسية والعسكرية تحركت في فضاء تتصارع فيه المصالح وتُختبر فيه موازين القوة.

النفط والغاز وكابلات الإنترنت… معركة المستقبل قد تبدأ من البحر

من أبرز ما يمنح هذا الموضوع راهنيته أن الصراع على المتوسط لم يعد محصوراً في الماضي.

فالطاقة أصبحت أحد أبرز محددات العلاقات الدولية، والبحر المتوسط يمثل فضاءً حيوياً لمشاريع الغاز والطاقة والربط الكهربائي، فضلاً عن كونه ممراً أساسياً لحركة التجارة العالمية.

وتكتسب كابلات الإنترنت البحرية أهمية متزايدة في هذا السياق، باعتبارها شرايين الاتصال الرقمي التي تنقل البيانات بين القارات، وتجعل من حماية البنية التحتية البحرية مسألة مرتبطة بالأمن القومي والاقتصاد والسيادة التكنولوجية.

كما يطرح الكتاب فكرة حلم النفق بين القارتين، باعتباره تصوراً لمشروع ربط استراتيجي بين إفريقيا وأوروبا، يفتح أسئلة حول إمكانات تونس في لعب دور محوري في مشاريع الربط والنقل والتكامل الاقتصادي.

إنها معركة مختلفة عن معارك الماضي، لكنها تحمل السؤال الجوهري نفسه: من يملك الموقع، ومن يستطيع تحويله إلى نفوذ وثروة وقوة؟

هل أخفقت تونس في استثمار أعظم ثرواتها؟

ربما تكمن أهمية هذه القراءة في أنها تدفعنا إلى مراجعة الطريقة التي ننظر بها إلى بلادنا.

فكثيراً ما ينحصر النقاش حول ثروات تونس في الموارد الطبيعية، من النفط والغاز والفوسفات والزراعة، بينما لا تحظى الجغرافيا بما تستحقه من اهتمام في النقاش الاقتصادي والاستراتيجي.

لكن الموقع الجغرافي، مهما بلغت قيمته، لا يتحول تلقائياً إلى ثروة. فهو يحتاج إلى رؤية سياسية واضحة، وبنية تحتية متطورة، وموانئ قادرة على المنافسة، وتشريعات جاذبة للاستثمار، وشبكات نقل ولوجستية حديثة، ودبلوماسية تعرف كيف توظف عناصر القوة الوطنية.

وهنا تكمن المفارقة: تونس تمتلك موقعاً استراتيجياً استثنائياً، لكنها لا تزال مطالبة بتحويل هذه الأفضلية الجغرافية إلى مشاريع وفرص ومكاسب ملموسة للمواطن والاقتصاد الوطني.

إن «خريطة الطريق في سبر أغوار المضيق» لماجد البرهومي يطرح، من خلال زاوية الجغرافيا السياسية، سؤالاً يستحق أن يكون في صلب النقاش الوطني: هل تعرف تونس حقاً قيمة الموقع الذي تشغله على خريطة العالم؟

فمن يقرأ تاريخ المتوسط يدرك أن الجغرافيا لم تكن يوماً مجرد خطوط على الخرائط، وأن موقع تونس لم يكن هامشياً في حسابات القوى المتعاقبة.

قد تتغير الإمبراطوريات، وتتبدل التحالفات، وتتطور الأسلحة ووسائل السيطرة، لكن حقيقة واحدة تظل قائمة: من يفهم قيمة المضيق يفهم جانباً أساسياً من تاريخ تونس، ومن يدرك قيمة موقعها يستطيع أن يرى فرصاً لم تُستثمر بعد.

تونس ليست صغيرة بموقعها، ولا هامشية بتاريخها… وربما تكون أعظم ثرواتها تلك التي لم نحسن بعد استثمارها: الجغرافيا.