في زمن أصبحت فيه قضايا الطفولة من أبرز رهانات العدالة الحديثة، يبرز كتاب «الطفل في القانون التونسي» للباحثة والأستاذة في القانون الخاص منى غانمي كعمل أكاديمي وحقوقي يسعى إلى قراءة واقع حماية الطفل في تونس من زاوية قانونية وإنسانية عميقة.
ينطلق الكتاب من فلسفة حقوقية تبنّاها المشرّع التونسي استئناسًا بالاتفاقيات الدولية وفي مقدّمتها الاتفاقية الأممية لحقوق الطفل والبروتوكولات الملحقة بها ليبرز كيف تحوّلت حماية الطفل من مجرد معالجة قانونية تقليدية إلى مقاربة تقوم على الوقاية والرعاية وصون الكرامة الإنسانية.
وتتوقف الكاتبة عند الدور الذي لعبته مجلة حماية الطفل في تكريس هذه الرؤية خاصة من خلال تناولها لمفهومي الطفل المهدّد والطفل الجانح باعتبارهما حالتين تستوجبان الحماية والإحاطة أكثر من العقاب والإقصاء، كما يسلط الكتاب الضوء على تطور المنظومة التشريعية التونسية خارج إطار المجلة عبر سن قوانين أساسية عززت الحماية الجزائية للطفل واعتمدت مقاربة حقوقية حديثة لحماية الفئات الهشّة.
ومن أبرز النصوص التي تناولها الكتاب قانون القضاء على العنف ضد المرأة وقانون منع الاتجار بالأشخاص حيث توضح الكاتبة كيف ساهمت هذه التشريعات في ترسيخ مفهوم “الضحية” وتوسيع آليات الحماية القانونية للأطفال خصوصا في الجرائم المرتبطة بالعنف والاستغلال والاتجار.
ولا يقدم هذا العمل قراءة قانونية جامدة فحسب لكنه يطرح رؤية تعتبر أن حماية الطفل ليست مسؤولية القضاء وحده بل هي مشروع مجتمعي وأخلاقي يهدف إلى بناء بيئة آمنة تحفظ حقوق الأجيال القادمة.
وتعرف الباحثة منى غانمي باهتمامها بمجال القانون الجزائي وعلوم الإجرام إضافة إلى مشاركاتها في ملتقيات علمية وطنية ودولية وإشرافها الأكاديمي على عدد من البحوث ومذكرات الماجستير ما منح كتابها بعدا علميا يجمع بين الدقة القانونية والوعي الحقوقي المعاصر.
ويأتي هذا الإصدار ليؤكد أن التشريع حين يستند إلى فلسفة حقوق الإنسان يتحول من مجرد نصوص قانونية إلى أداة لحماية الإنسان وصون كرامته ماصة عندما يتعلق الأمر بالطفل باعتباره الحلقة الأضعف والأكثر حاجة إلى الحماية.



