حوار عزيز بن جميع
في ردهات المحاكم، حيث تُرسم معالم العدالة، تبرز المحامية الشابة روضة بن يوسف كصوتٍ واعدٍ يجمع بين طموح الجيل الجديد ورصانة الفكر القانوني. لم تكتفِ الأستاذة روضة بممارسة مهنة المحاماة، بل نذرت قسطاً من جهدها لتشريح الواقع الحقوقي في تونس. بطموحٍ لا يعرف الكلل، ودقةٍ تستند إلى مراجع قانونية دقيقة، تنبري اليوم لتقديم قراءة تحليلية للمشهد الإعلامي والعمالي، بعيداً عن السطحية، لتضع بين يدي القارئ خارطة طريق قانونية واضحة في غابة من التجاوزات.
و في هذا السياق يشهد الفضاء الإعلامي التونسي، ولاسيما خلال ذروة المشاهدة الرمضانية، انحرافاً بنيوياً في وظيفة الإشهار؛ إذ تحولت الشاشة إلى حيزٍ إشهاريٍ مفرط يبتلع المضمون التحريري، في مشهدٍ يعكس خللاً في التوازنات القانونية. هذا "التغول" ليس سوى رأس بيت القصيد و لب الزبدة لأزمة أعمق تتجلى في غياب العقود الشفافة التي تحفظ حقوق الأطراف وتصون كرامة المشاهد وحقوق الأجير. وأمام هذا التخبط الجارف ، تبرز الحاجة الملحّة لاستدعاء المستند القانوني لفض النزاعات. وفي هذا الحوار، تشرع الأستاذة روضة بن يوسف في تفكيك هذه الإشكاليات عبر قراءةٍ معمقة للنصوص النافذة.
س: ما هي المرجعية القانونية الناظمة للعملية الإشهارية في المنظومة القانونية التونسية؟
ج: المرجعية تستند إلى نصوصٍ آمرة، في مقدمتها "المرسوم عدد 116 لسنة 2011" الذي أرسى "الهايكا" كسلطة تعديلية مستقلة، متبوعاً بالقرار "عدد 4 لسنة 2018" المتضمن للقواعد السلوكية للإشهار. كما تكتسب "كراسات الشروط" قوةً ملزمة في تحديد الالتزامات المتبادلة بين القنوات والمؤسسات، وهي وثائق قانونية لا يجوز تجاوز مقتضياتها تحت طائلة المسؤولية.
س: ما هي الحدود الزمنية للإشهار في رمضان، وما هي التكييفات القانونية لتجاوزها؟
ج: حدد القانون سقوفاً زمنية صارمة؛ فالقنوات الخاصة مقيدة بسقف 10 دقائق من الإشهار في الساعة، على ألا يتجاوز الفاصل الواحد 5 دقائق. أما القنوات العامة، فتخضع لتقييد أكثر صرامة لا يتعدى 3 دقائق في الساعة. أي خروج عن هذه الحدود يعد خرقاً لكراس الشروط، ويُصنف ضمن التجاوزات الإدارية التي تستوجب الرقابة والردع.
س: كيف تفصل المحاكم في النزاعات بين المعلن والوسيلة الإعلامية؟
ج: الاختصاص ينعقد بناءً على طبيعة النزاع؛ فإذا نشأ النزاع عن إخلال بالعقود التجارية المبرمة بين القناة والمعلن، فالمحاكم العدلية هي صاحبة الولاية للفصل فيها. أما إذا كان النزاع متعلقاً بقرارات الهيئة التعديلية (الهايكا) (التي هي غائبة اليوم رغم انها كانت تعدل المشهد الاعلامي) و الناتجة عن رصد مخالفات إدارية، فإن المحكمة الإدارية هي الجهة المختصة بالطعن.
س: ما تقييمكم لسياسة الإشهار العمومي في ظل غياب التنظيم القطاعي؟
ج: الإشهار العمومي، كرافدٍ مالي هام، يجب أن يخضع لمعايير الشفافية وتكافؤ الفرص. غياب "الوكالة الوطنية للإشهار العمومي" يترك الباب مفتوحاً أمام المحاباة، حيث تُحصر الإعلانات في قنوات دون أخرى بناءً على نسب مشاهدة غير خاضعة لتدقيق علمي، مما يجعل الإشهار أداة للتحكم في القرار التحريري، وهو ما يستوجب تدخلاً تشريعياً لإرساء هيكل وطني مستقل يضمن التوزيع العادل.
س: ما هي التدابير العقابية المترتبة على مخالفة القواعد السلوكية للإشهار؟
ج: المنظومة العقابية تتدرج من الخطايا المالية المثقلة التي تصل إلى 50 ألف دينار، وصولاً إلى الجزاءات الإدارية التي قد تبلغ سحب الومضة أو التنبيه. وفي حالة التمييز العنصري عبر الإشهار، تشتد العقوبة لتصل إلى السجن، نظراً لما يمثله ذلك من اعتداء صارخ على الكرامة الإنسانية التي يكفلها الدستور والقانون.
س: ما هي المسارات القانونية التي يملكها الأجير عند الإخلال ببنود العقد أو عدم صرف الأجر في مجال الاعمال الدرامية و الاشهار ؟
ج: يجب على الأجير تفعيل المسار الإجرائي فوراً؛ بتبليغ "تنبيه عبر عدل منفذ" كوثيقة قانونية قاطعة للتقادم ومثبتة للمطالبة. وفي حال استمرار الإخلال، ترفع دعوى أمام دائرة الشغل بالمحكمة الابتدائية، مع التنبيه إلى أن إثبات علاقة الشغل لا يقتصر على العقد الكتابي، بل يمتد لكل قرينة قانونية (كشوف أجر، شهادة شهود، أو أي وثيقة تصدر عن المشغل).
س: كيف يتم تكييف حوادث الشغل قانوناً وما هي واجبات المؤجر في المجال السمعي البصري بالخصوص؟
ج: حادث الشغل هو التزام موضوعي يقع على عاتق المؤجر في توفير بيئة عمل آمنة. يجب التصريح الفوري للحادث لدى الصندوق الوطني للتأمين على المرض (CNAM). قانوناً، لا يعتد بأي شرط في عقد العمل يعفي المؤجر من مسؤوليته عن تعويض الأجير، فمثل هذه البنود تُعتبر باطلة بقوة القانون ولا أثر لها في مواجهة القضاء.
عزيز بن جميع



