- عادل الجريدي
تعد مسرحية "ابليس" من الأعمال المسرحية الجريئة التي تقتحم المناطق المظلمة في النفس البشرية، وهي من انتاج شركة فان للانتاج، نصا وإخراجا لصابر الهميسي، بمشاركة كل من ألفة الحكيمي و كمال حمدي و عادل الشريف مع توظيب العام لعادل شعباني.
تتناول المسرحية قضية إنسانية صادمة تتمثل في اغتصاب طفلة من طرف والدها، وهي جريمة لا تمس الجسد فقط، بل تدمّر النفس والذاكرة والقيمة و المعنى وتقوض دفء البيت العائلي. وفي لحظة مأسوية تقرّر الطفلة حرق والدها في ذكرى عيد ميلاده، لتبدأ منذ تلك اللحظة رحلة عذاب طويلة بين التحقيق الأمني و مستشفى الأمراض العقلية، حيث يتحول الألم النفسي إلى كابوس مرعب يطاردها.
غير أن المأساة لم تتوقف عند هذا الحد، اذ تجد الطفلة نفسها أمام طبيب يستغل هشاشتها النفسية فيغريها ويوهمها بالعلاج وحمايتها من الجميع، قبل أن تكتشف أنه يسعى إلى ذبحها واستعمال دمها لفتح الكنوز، في حالة رمزية للجشع و الخرافة و استغلال الانسان للانسان. فتجد المريضة نفسها أمام نفس حالة الاستغلال بشكل آخر فتعيد سيناريو الحرق. ويتحول الواقع الى كابوس جديد، تختلط فيه الحقيقة بالوهم، ويصبح الشر حاضرا في كل الوجوه.
لقد نجح العمل في تقديم تجربة بسيكودرامية بامتياز، حيث غاص في أعماق الشخصية الانسانية المضطربة، معتمدا على التوتر النفسي و الانفعالات الداخلية أكثر من اعتماده على الحدث الخارجي. وكان الظلام عنصرا أساسيا في بناء المشهدية، اذ شكل حاضنة للأحدث في ايحاء مربك ومرعب يعكس انكسارات الشخصية المحورية في العمل و صياغاتها النفسية. أما في ما يتعلق بالآداء التمثيلي فقد تميز بالصدق و الانفعال، خاصة في تجسد معاناة البطلة و صراعها النفسي، ما جعل المتفرج يعيش حالة من التوتر و التعاطف في آن واحد. كما نجح المخرج في خلق توازن بين البعد النفسي والبعد الرمزي مقدما عرضا يلامس المسكوت عنه بادوات فنية تزاوج بين التصريح و التلميح.




