منذ اللحظات الأولى، ينجح كريم الغربي (K2RIM) في شدّ المشاهد إلى عالمه الخاص عبر افتتاحية ذكية تشبه الأفلام الوثائقية ذات البعد الروائي (doc fiction)، بإيقاع موسيقي يعيد نبض الحومة ويستفز ذاكرة جيل السبعينات. سبع دقائق فقط كانت كافية لتقديم فنان خرج من الأزقة، من البساطة، من الشارع الذي صنع شخصيته قبل أن تصنعه الأضواء. بداية تمنح الفيلم روحًا صادقة وتوحي بعمل يوثق رحلة صعود إنسانية.
اختيار الشهادات الحية من مقربين منه كان في محله، إذ منح السرد عمقًا وجعل المتلقي يقتنع بأننا أمام حكاية كفاح لا أمام تلميع ذاتي. لكن ما بدا واعدًا في النصف الأول، انقلب فجأة إلى انزلاق سردي خطير حين تحوّل الفيلم إلى ما يشبه الغرق المتعمّد في فترة زواجه من نسرين بن علي، ابنة الرئيس السابق.
هنا تحديدًا يسقط العمل من فضاء الفن إلى مستنقع التوظيف السياسي. علاقة لم تتجاوز عامًا واحدًا، تتحول إلى محور يلتهم أكثر من نصف مدة الفيلم، وكأن كل ما سبقها أو لحقها لا يساوي شيئًا أمام تلك السنة “الذهبية” في بيت السلطة. ليس توثيقًا بقدر ما هو إعادة تدوير لذاكرة نظام سقط، واستثمار فجّ في اسم بن علي لإثارة الجدل وصناعة “بوز” مجاني.
الفيلم لا يقدّم تلك المرحلة باعتبارها تفصيلاً عابرًا في حياة فنان، بل يصوّرها كمنعطف مصيري، في محاولة واضحة لربط مسيرته بظلّ السلطة السابقة، وهو ما يترك انطباعًا قويًا بأن الزواج كان أقرب إلى صفقة اجتماعية منه إلى قصة شخصية تستحق هذا الحجم من السرد. فكيف يمكن لسنة زواج فاشلة أن تختزل حياة كاملة ومسارًا فنيا امتد لسنوات؟
الأخطر أن العمل يأتي في سياق حساس، خاصة وأن كريم الغربي صدرت ضده سابقًا أحكام سجنية مع قرار بحرمانه من ممارسة أي نشاط سياسي في تونس مدى الحياة. وهنا يصبح السؤال أكثر حدة:
هل تحوّل الفيلم إلى وسيلة لغسل الصورة أمام الرأي العام؟
هل أراد أن يقدّم نفسه كضحية مرحلة، أو كتائب يبحث عن غفران شعبي؟
أم أنها محاولة مدروسة للعودة إلى الواجهة عبر بوابة التعاطف واستدرار مشاعر التونسيين؟
“I’m K2” لم يعد سيرة فنان بقدر ما أصبح وثيقة مرتبكة تخلط الاعتراف بالتبرير، والبوح بالتسويق للذات. فيلم بدأ من الحومة لينتهي في حضن الذاكرة السياسية الثقيلة، فخسر صدقه الفني حين جعل من سنة في قصر بن علي في جدة عنوانًا لحياة كاملة.



