غيب الموت، مساء أمس، صديقي الفنان التشكيلي التونسي الكبير بشير الدزيري، أحد أعمدة المشهد الفني في تونس، تاركًا وراءه إرثًا غنيًا من اللوحات التي مزجت بين الواقع والخيال، وبين الحزن والفرح، وبين تفاصيل الحياة اليومية والروح الإنسانية العميقة.
الدزيري، الذي وُلد في قلب العاصمة التونسية، حمل الفن في عروقه منذ صباه، وعبر بريشته استطاع أن يحوّل الألم والجمال إلى ألوان تتحدث لغة الروح قبل العين، فتحوّلت لوحاته إلى مرايا تُعيد للمتلقي تأملاته في الحياة، الموت، والوجود.
محبو الفن وأصدقاؤه وصفوه بأنه كان يعيش الفن بكل تفاصيله، كأن اللوحة ليست مجرد مادة وألوان، بل روح تتحرك وتنطق، وأنه كان يرفض التكرار والرتابة، ساعيًا دائمًا إلى أن يُبهر المشاهد ويوقظه من روتينه اليومي.
الرحيل المفاجئ للبشير الدزيري ترك فراغًا كبيرًا في الوسط الفني، حيث عبّر زملاؤه عن صدمتهم العميقة، معتبرين أن تونس فقدت اليوم أحد أبرز الفنانين الذين شكّلوا ذاكرة فنية حية، قادرة على الصمود أمام تقلبات الزمن.
أعماله، التي امتدت لأكثر من خمسة عقود، كانت دائمًا صرخة صامتة، تحتفي بالإنسان والمدينة والطبيعة، وتضع المتلقي أمام حوار صادق مع ذاته. الدزيري لم يكن مجرد رسام؛ كان شاعر الألوان، الذي جعل من الفرشاة أداة للبحث عن الحقيقة والجمال في تفاصيل الحياة البسيطة والمعقدة على حد سواء.
وسط حزن واسع، تتجه الأنظار الآن إلى متاحف تونس وقاعات العرض، حيث ستُقام تحية فنية لذكرى هذا الفنان الكبير، لتظل ألوانه حية على الجدران، ولتستمر صرخته الفنية في تحريك القلوب والعقول، كما فعل طوال حياته.
رحم الله بشير الدزيري، فالفن اليوم يفتقد صوته، لكن لوحاته ستظل تتحدث عنا، عنا نحن، ومعاناتنا وأحلامنا، بكل صدق وألم وجمال.



