في خطوة وُصفت بأنها نوعية واستشرافية، تتجه تونس نحو اعتماد مقاربات علمية حديثة في صون وتثمين تراثها الوطني، عبر إدماج التقنيات النووية السلمية في خدمة البحث الأثري وحماية الموروث الثقافي من عوامل التدهور والزمن.
ويأتي هذا التوجه في إطار مشروع TUN1015، الذي يُنجَز بدعم وتوجيه من الخبير الدولي في الفيزياء التطبيقية وتقنيات التشعيع الدكتور العربي الماجري، باعتباره مبادرة تجمع بين العلوم الدقيقة والذاكرة التاريخية في مقاربة غير مسبوقة على المستوى الوطني.
اتفاق مؤسساتي يربط التراث بالعلوم المتقدمة
وفي سياق هذا المشروع، تم إمضاء مذكرة تفاهم استراتيجية بين المعهد الوطني للتراث ممثلاً في مديره العام طارق البكوش، و**المركز الوطني للعلوم والتكنولوجيا النووية** ممثلاً في مديره العام هيثم الصغير، بهدف إرساء إطار تعاون علمي يربط بين البحث الأثري والتقنيات النووية الحديثة.
وترتكز هذه الشراكة على توظيف التطبيقات الإشعاعية والتحليل النووي في دراسة القطع الأثرية، وتحديد خصائصها الفيزيائية والكيميائية، بما يساهم في تحسين أساليب الحفظ والترميم، وتعميق المعرفة العلمية بالتراث التونسي.
الوكالة الدولية للطاقة الذرية في قلب المشروع
وشهد هذا المسار أيضاً استقبال الخبيرة والمسؤولة الفنية لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ماريا هيلينا كاسيميرو، التي تُعد من أبرز الداعمين الفنيين للمشروع، حيث قامت بزيارة ميدانية للاطلاع على سير العمل والتجهيزات التقنية المعتمدة.
وقد تابعت خلال زيارتها مختلف الجوانب اللوجستية والفنية، ووقفت على مستوى تقدم الآليات المعتمدة لتفعيل هذه المقاربة العلمية الجديدة في خدمة التراث الوطني.
بين العلم والذاكرة… رؤية استراتيجية للمستقبل
يمثل هذا التوجه العلمي خطوة متقدمة في مسار تحديث أدوات حفظ التراث في تونس، عبر دمج التكنولوجيا النووية السلمية في خدمة البحث التاريخي، بما يعزز قدرة المؤسسات الوطنية على حماية الذاكرة المادية للبلاد من التآكل والضياع.
كما يعكس المشروع رؤية استراتيجية تقوم على اعتبار التراث ليس فقط موروثاً ثقافياً، بل أيضاً مجالاً للبحث العلمي المتطور، يمكن دعمه بأحدث ما توصلت إليه العلوم الدقيقة.
بهذه المبادرة، تفتح تونس باباً جديداً للتقاطع بين العلوم والتاريخ، في تجربة تسعى إلى إعادة تعريف أدوات حماية التراث، وجعل التكنولوجيا المتقدمة شريكاً أساسياً في صون الهوية الوطنية وتثمينها للأجيال القادمة.



