هل يمكن أن تختفي يومًا الصورة التقليدية للطائرة ذات الجسم الأسطواني والجناحين والذيل؟ الصين تختبر إجابة مختلفة عبر مشروع بحثي لطائرة ركاب عملاقة تعتمد مفهوم «الجناح الطائر»، وقد تصل قدرتها الاستيعابية إلى أكثر من 800 راكب.
المشروع، الذي لا يزال في مرحلة البحث والتطوير، يكشف عن سباق هندسي يتجاوز مجرد بناء طائرة أكبر، نحو إعادة التفكير في الشكل الذي يجب أن تكون عليه طائرة المستقبل.
85 مترًا من العرض.. طائرة مختلفة جذريًا
وفق ما أوردته صحيفة South China Morning Post، طوّر باحثون في مركز أبحاث وتطوير الديناميكا الهوائية في الصين (CARDC) نموذجًا لطائرة يندمج فيها جسم الطائرة والجناح ضمن هيكل واحد عريض، بدل التصميم التقليدي الذي يفصل بين جسم الطائرة والأجنحة والذيل.
ويبلغ عرض التصميم المقترح نحو 85 مترًا، مقابل طول يقارب 43 مترًا، وهي أبعاد تمنح الهيكل مساحة داخلية كبيرة يمكن أن تسمح باستيعاب أكثر من 800 مسافر.
لكن الرقم الأهم ليس عدد المقاعد بحد ذاته، وإنما محاولة تحقيق معادلة صعبة: زيادة السعة مع تقليل مقاومة الهواء واستهلاك الطاقة.
لماذا تراهن الصين على «الجناح الطائر»؟
الفكرة ليست جديدة، لكنها تكتسب أهمية متزايدة مع الضغوط التي تواجه صناعة الطيران لتقليل استهلاك الوقود والانبعاثات.
ففي تصميم الجناح الطائر، يتحول جزء كبير من جسم الطائرة نفسه إلى سطح يولّد قوة الرفع. وهذا يمكن، من الناحية النظرية، إلى تحسين الكفاءة الديناميكية الهوائية وتقليل مقاومة الهواء مقارنة ببعض التصاميم التقليدية.
والنتيجة المحتملة هي طائرة تحتاج إلى طاقة أقل لنقل عدد أكبر من الركاب لمسافات طويلة.
لكن المكسب النظري لا يعني نجاحًا تجاريًا تلقائيًا، وهنا تبدأ أصعب مراحل المشروع.
المقصورة.. نقطة ضعف التصميم الثوري
فجسم الطائرة التقليدي الأسطواني لم يصبح معيارًا عالميًا بالصدفة؛ فهو يوفر بنية مناسبة لمقاومة ضغط المقصورة، ويسهّل توزيع المقاعد والأنظمة، كما يسمح بدمج النوافذ والأبواب ومكونات الطائرة وفق حلول هندسية مجربة.
أما الهيكل العريض للجناح الطائر فيفرض أسئلة مختلفة: كيف تُوزع المقاعد؟ كيف يتم تنظيم عمليات الصعود والنزول؟ وكيف يمكن تصميم المقصورة بحيث توفر الراحة والسلامة من دون أن تتحول المكاسب الديناميكية الهوائية إلى وزن إضافي؟
حتى النوافذ قد تصبح مشكلة هندسية، لأن إدخال فتحات في هيكل واسع يتحمل الضغوط يمكن أن يتطلب تدعيمات إضافية، وهو ما قد يرفع الوزن ويقلل جزءًا من الكفاءة التي يسعى التصميم إلى تحقيقها.
800 راكب.. الرقم ليس هو المفاجأة
قد يبدو استيعاب أكثر من 800 راكب رقمًا استثنائيًا، لكنه ليس سابقة في عالم الطيران.
فطائرة Airbus A380 يمكنها نظريًا استيعاب أكثر من 850 راكبًا في ترتيب عالي الكثافة، وإن كانت شركات الطيران تستخدم عادة ترتيبات أقل كثافة توفر مستويات أعلى من الراحة.
لذلك، فإن أهمية المشروع الصيني لا تكمن في «800 راكب» وحدها، وإنما في السؤال الذي يحاول الإجابة عنه: هل يمكن نقل هذا العدد الكبير من المسافرين بكفاءة أعلى، باستخدام هيكل مختلف جذريًا عن الطائرات الحالية؟
والمطار أيضًا أمام اختبار جديد
حتى لو نجح المهندسون في حل مشكلات الطائرة، فإن البنية التحتية للمطارات قد تصبح عقبة أخرى.
فعرض يبلغ نحو 85 مترًا يعني طائرة ضخمة جدًا من الناحية الهندسية، وقد يفرض تعديلات على مواقف الطائرات وممرات الحركة ومناطق الصعود والجسور المخصصة للركاب.
كما أن التعامل مع مئات الركاب في وقت واحد يفرض تحديات تشغيلية، من سرعة الصعود والنزول إلى إجراءات الإخلاء في حالات الطوارئ.
وهذا يعني أن نجاح الجناح الطائر لن يكون قرارًا هندسيًا داخل مصنع الطائرات فقط، بل قد يتطلب إعادة التفكير في جزء من منظومة المطارات نفسها.
النموذج في النفق الهوائي.. وليس في السماء بعد
ورغم الضجة التي يمكن أن يثيرها المشروع، فإن الطائرة الصينية لا تزال بعيدة عن التحول إلى وسيلة نقل تجارية.
فالاختبارات الحالية تعتمد على نماذج مصغرة داخل أنفاق هوائية لدراسة الديناميكا الهوائية والاستقرار والأداء عند السرعات العالية، وليس على طائرة بالحجم الكامل تحلق في الأجواء.
وبالتالي، فإن الحديث عن طائرة صينية تستوعب 800 راكب يجب أن يُفهم باعتباره تصورًا بحثيًا للمستقبل، وليس طائرة جاهزة للإنتاج أو التشغيل.
هل تبدأ حقبة جديدة للطيران؟
المثير في المشروع الصيني أنه يعيد طرح سؤال قد يصبح أكثر أهمية خلال العقود المقبلة: هل تستطيع صناعة الطيران الحفاظ على شكل الطائرة الذي عرفناه لأكثر من قرن، أم أن الضغوط المتعلقة بالوقود والانبعاثات والسعة ستدفعها إلى تبني تصاميم أكثر radical؟
إذا نجح الباحثون في تجاوز تحديات الضغط والسلامة والراحة والإخلاء والبنية التحتية، فقد يصبح الجناح الطائر أحد الخيارات المطروحة لطائرات المستقبل العملاقة.
أما في الوقت الحالي، فالمشروع يمثل قبل كل شيء مختبرًا هندسيًا لفكرة جريئة: طائرة لا تكتفي بالطيران بجناحين، بل تجعل من كامل هيكلها تقريبًا جناحًا واحدًا ضخمًا.


