رسائل من عام 1546 ظهرت على حاسوب في الثمانينات.. لغز «دودلستون» الذي حيّر بريطانيا

رسائل من عام 1546 ظهرت على حاسوب في الثمانينات.. لغز «دودلستون» الذي حيّر بريطانيا

ماذا لو أضاءت شاشة حاسوب برسالة من شخص يزعم أنه يعيش في القرن السادس عشر؟ وماذا لو ظهرت لاحقاً رسالة تحمل تاريخاً لم يأتِ بعد؟

قد تبدو الفكرة كأنها مشهد من فيلم خيال علمي، لكنها ترتبط بقصة حقيقية رواها البريطاني كين ويبستر، وتعود أحداثها إلى منزل ريفي قديم في قرية دودلستون بإنجلترا خلال ثمانينات القرن الماضي.

هناك، بدأت حكاية غريبة بآثار أقدام غير مألوفة داخل المنزل، قبل أن تتحول إلى رسائل إلكترونية غامضة، قيل إن مصدرها رجل يعيش في عام 1546. ثم دخل عام 2109 على خط القصة، لتصبح القضية واحدة من أشهر حكايات التواصل المزعوم عبر الزمن في بريطانيا.

آثار أقدام بستة أصابع

كان ويبستر يعيش في المنزل برفقة زوجته ديبي عندما بدأت، وفق روايته، تظهر آثار أقدام غريبة في أرجاء المكان، بدت وكأنها تحمل ستة أصابع.

ولم تتوقف الظاهرة عند الأرضيات؛ إذ قيل إن بعض الآثار ظهرت على الجدران أيضاً، بينما لاحظ سكان المنزل أن علب طعام القطط كانت تُرتب بطريقة غير معتادة، بينها تشكيلات هرمية.

وفي محاولة لوضع حد للغموض، غُطيت بعض الآثار بالطلاء، إلا أن ويبستر قال إنها ظهرت مجدداً في اليوم التالي.

حاسوب يتحول إلى «نافذة زمنية»

كان ويبستر يعمل مدرساً، وقد أحضر إلى المنزل حاسوباً استعاره من المدرسة. وبعد فترة، بدأت تظهر على الشاشة رسائل غامضة لم يكن واضحاً من يقف وراءها.

ومع استمرارها، تحولت الرسائل إلى ما يشبه محادثة مباشرة. وكان الأمر الأكثر إثارة بالنسبة إلى ويبستر أن كاتب الرسائل بدا، بحسب روايته، مطلعاً على تفاصيل تتعلق بالمنزل والأشخاص الموجودين فيه.

ثم جاءت المفاجأة:

الكاتب قدم نفسه باسم «لوكاس» وقال إنه يعيش في عام 1546.

كانت الرسائل تستخدم لغة إنجليزية ذات طابع قديم، وتضمنت عبارات وقصائد، قبل أن تتحول لاحقاً إلى مراسلات أكثر مباشرة.

وفي مرحلة من القصة، اتهم «لوكاس» سكان المنزل بسرقة منزله، فيما ظهر اسم توماس هاردن أو هاواردن باعتباره اسمه الحقيقي المحتمل.

وتشير روايات القضية إلى وجود شخص بهذا الاسم في إنجلترا خلال القرن السادس عشر، لكن هذه المطابقة التاريخية لا تثبت أن صاحب الرسائل هو الشخص نفسه.

كيف عرف ما كان يحدث داخل المنزل؟

من أكثر عناصر القصة إثارة أن الرسائل تضمنت، وفق رواية ويبستر، إشارات إلى أشياء موجودة داخل المنزل.

وفي إحدى الوقائع، وُضعت صور على طاولة المطبخ، ثم ظهرت إشارة إلى صورة لسيارة جاغوار، ووصفت بطريقة توحي بأن صاحب الرسالة يراها كنوع من العربات التي لا يمكنها التحرك لمسافات بعيدة من دون حصان.

بالنسبة إلى ويبستر، كانت مثل هذه التفاصيل من أكثر الأدلة التي جعلته يعتقد أن مصدر الرسائل يمتلك وسيلة ما لمعرفة ما يجري داخل المنزل.

لكن المشككين قدموا تفسيراً مختلفاً: ربما كان شخصاً من الحاضر وراء الرسائل، أو ربما كانت المعلومات تُجمع بطريقة بشرية عادية، بعيداً عن أي تواصل عبر الزمن.

ثم ظهر عام 2109

بعد نحو 18 شهراً من المراسلات، ازدادت القصة غرابة مع ظهور إشارات إلى عام 2109.

تحدثت الرسائل، بحسب الرواية، عن جهة مرتبطة بذلك المستقبل وعن تجربة يمكن أن تؤدي إلى تغيير وجه التاريخ، كما ورد وصف غامض لما سُمّي «صندوقاً من الأضواء»، وهو ما فُسّر لاحقاً على أنه ربما كان وصفاً للحاسوب.

وبذلك أصبحت القصة تجمع بين ثلاثة تواريخ:

1546 — 1985 — 2109.

ثلاثة أزمنة تفصل بينها قرون، لكنها اجتمعت على شاشة حاسوب داخل منزل ريفي إنجليزي.

تحقيق رسمي... بلا إجابة نهائية

مع تصاعد الأحداث، استعان ويبستر بـجمعية البحوث النفسية للتحقيق في الظواهر التي شهدها المنزل.

زار فريق من الجمعية المكان، إلا أن التحقيقات لم تقدم دليلاً حاسماً يثبت أن الرسائل جاءت من القرن السادس عشر أو من المستقبل.

ومع مرور الوقت، توقفت المراسلات، وبقي الكتاب الذي قيل إن «توماس» وعد بتركه للأجيال اللاحقة مفقوداً.

وفي عام 1989 نشر ويبستر كتابه The Vertical Plane، الذي روى فيه تفاصيل التجربة، قبل أن تصدر طبعة ثانية منه عام 2022.

أربعة عقود من الغموض

بعد أكثر من أربعة عقود، لا تزال «رسائل دودلستون» عالقة بين رواية الظواهر الخارقة والتفسيرات البشرية المحتملة.

المؤمنون بالتواصل عبر الزمن يرون أن طبيعة الرسائل، وبعض تفاصيلها، واللغة المستخدمة فيها، والإشارات إلى أشياء داخل المنزل، تجعل القضية مثيرة للاهتمام.

أما المشككون فيرون أن هذه العناصر لا ترقى إلى مستوى الدليل العلمي، وأن احتمال وجود خدعة أو مصدر بشري للمراسلات لم يُستبعد بشكل قاطع.

والأهم أن القصة، مهما بلغت غرابتها، لا توفر دليلاً علمياً مثبتاً على وجود تواصل حقيقي مع عام 1546 أو 2109.

لكن السؤال الذي تركته وراءها لا يزال صالحاً لإثارة الخيال:

هل كانت شاشة الحاسوب في منزل دودلستون نافذة إلى زمن آخر... أم أن شخصاً ما كان يقف خلفها طوال الوقت؟