كشفت دراسة حول الشمول المالي للنساء والشباب في تونس، أصدرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سنة 2025، عن استمرار فجوة النفاذ إلى الخدمات المالية، إذ لا تتجاوز نسبة امتلاك الحسابات لدى مؤسسة مالية رسمية 41% لدى كل من النساء والشباب، في وقت لا تزال فيه الصعوبات الاقتصادية وضعف الثقة وتعقيد الإجراءات من أبرز العوائق أمام توسيع الانتفاع بهذه الخدمات.
وأُنجزت الدراسة في إطار مشروع «الاقتصاد الأخضر: التمكين الاقتصادي للمرأة في تونس»، الذي ينفذه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بدعم من كندا، وبالشراكة مع الحكومة التونسية ممثلة في وزارة الاقتصاد والتخطيط، وبالتعاون مع المرصد الوطني للإدماج المالي.
وشملت الدراسة سبع ولايات من الوسط والجنوب، هي القيروان وقفصة وتوزر وقبلي وتطاوين ومدنين وقابس. واستندت إلى استبيان شمل 2057 شخصا خلال سنة 2025، إلى جانب تنظيم 14 مجموعة نقاش وإجراء 16 مقابلة مع فاعلين في القطاع المالي.
النساء.. حسابات محدودة وثقة مهزوزة في الخدمات المالية
وتكشف نتائج الدراسة أن امتلاك حساب مالي لا يعني بالضرورة استخدام الخدمات المالية بانتظام أو الاستفادة من تنوعها. ففي صفوف النساء، لا تتجاوز نسبة امتلاك حساب بنكي 18%، مقابل 27% يمتلكن حسابا بريديا، في حين لا تتعدى نسبة امتلاك حساب لدى مؤسسات الدفع 0.3%.
وتبرز المعطيات أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تمثل عائقا أساسيا أمام الشمول المالي للنساء، إذ تشكل النساء دون عمل 45% من عينة الدراسة، بينما لا تمتلك 35% منهن دخلا مستقلا، وهو ما يحد من قدرتهن على الادخار والاقتراض والاستفادة من خدمات مالية متنوعة.
وتزيد المخاوف المرتبطة بالمديونية والمصاريف غير الواضحة وضعف الثقة في المؤسسات المالية وصعوبة فهم الإجراءات من تردد النساء في التعامل مع هذه المؤسسات.
ومن المؤشرات اللافتة أن 98% من النساء المستجوبات يفضلن التعامل النقدي، فيما تتقاضى 55% من النساء العاملات أجورهن نقدا. كما تعتبر 45% من النساء أن خدمات التأمين معقدة، بما يعكس الحاجة إلى مزيد تبسيط الخدمات وشروط الانتفاع بها.
ورغم هذه الصعوبات، تكشف الدراسة عن اهتمام النساء بحلول ادخار تتيح إيداع مبالغ صغيرة وتحقيق أهداف محددة، إلى جانب الحاجة إلى التكوين في ريادة الأعمال وتوفير خدمات مساندة تعزز الاستقلالية الاقتصادية.
الشباب.. حسابات لأغراض إدارية ومخاوف من الخدمات الرقمية
أما لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 سنة، فتبلغ نسبة امتلاك حساب لدى مؤسسة مالية رسمية 41%، مع حضور بارز للحسابات البريدية التي تصل نسبة امتلاكها إلى 27%.
وتشير الدراسة إلى أن فتح الحسابات يرتبط في حالات عديدة بحاجات إدارية، على غرار الحصول على المنح الجامعية، أكثر من ارتباطه باختيار مالي مستقل أو برغبة في الاستفادة من الخدمات المالية على نطاق أوسع.
وتكشف المعطيات أن 23% من الشباب المستجوبين دون عمل، في حين يتقاضى 90% من الشباب النشيطين دخلا شهريا يقل عن 1500 دينار. وتحد هذه الظروف من قدرتهم على الادخار والانتفاع بالقروض والتأمين، خاصة مع انتشار الاعتقاد بأن الخدمات المالية موجهة أساسا إلى أصحاب الدخل القار.
وفي ما يتعلق بالخدمات الرقمية، لا يثق 46% من الشباب في هذه الخدمات، بسبب مخاوف تتعلق بالأخطاء والاحتيال وسلامة البيانات الشخصية. كما لم يسبق لـ92% منهم الحصول على قرض رسمي، وهو مؤشر على محدودية تعامل هذه الفئة مع التمويل المنظم.
وفي المقابل، يبدي الشباب اهتماما بالادخار لمواجهة المصاريف الطارئة وتمويل المشاريع الصغيرة ومتابعة التكوين وتحسين فرص التشغيل، بما يبرز أهمية تطوير خدمات مالية تستجيب لاحتياجاتهم الفعلية وقدراتهم الاقتصادية.
الجنوب أقل نفاذا إلى المؤسسات المالية
ولا تقتصر التحديات على المداخيل والثقة، بل تشمل أيضا التفاوت في النفاذ الجغرافي إلى الخدمات المالية. فبحسب الدراسة، يستطيع 86% من البالغين في تونس الوصول إلى مؤسسة مالية رسمية في أقل من 30 دقيقة، غير أن هذه النسبة تتراجع إلى 81% في الجنوب، مقابل 90% في الوسط.
وتتركز المؤسسات البنكية أساسا في المناطق الحضرية، في حين يتميز البريد التونسي بتغطية أكثر توازنا بين المناطق الحضرية والريفية، وهو ما يعزز دوره في تسهيل النفاذ إلى الخدمات المالية، خصوصا في المناطق الأقل تغطية.
وتسلط الدراسة الضوء كذلك على كلفة التمويل، إذ يبلغ متوسط أسعار الفائدة لدى مؤسسات التمويل الصغير 31%، مقابل 9.5% لدى البنوك. ويمكن لهذا الفارق أن يزيد من صعوبة حصول أصحاب الدخل المحدود على التمويل، ولا سيما النساء والشباب الراغبين في إطلاق مشاريع صغيرة أو تطوير أنشطة مدرة للدخل.
تبسيط الإجراءات والتوعية لتعزيز الشمول المالي
وتوصي الدراسة بتطوير استراتيجية للتوعية المالية تراعي الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية للنساء والشباب، من خلال تبسيط المعلومات المتعلقة بالخدمات المالية وتوضيح شروطها وكلفتها، وتنظيم ورشات ميدانية، وتوفير المرافقة للراغبين في فتح الحسابات أو الانتفاع بالخدمات.
كما تدعو إلى اعتماد وسائل اتصال تتلاءم مع الفئات المستهدفة، من بينها شبكات التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو القصيرة والشهادات المباشرة للشباب، إلى جانب تعزيز دور الإذاعة والتلفزة ووسائل الإعلام المحلية في توعية النساء.
وتشدد التوصيات كذلك على ضرورة تحسين جودة الاستقبال داخل المؤسسات المالية، وتطوير آليات معالجة الشكاوى، بما من شأنه تعزيز الثقة وتشجيع المواطنين على استخدام الخدمات المالية الرسمية والرقمية.
وتخلص الدراسة إلى أن توسيع الشمول المالي في تونس لا يتحقق بمجرد توفير الحسابات والمؤسسات، بل يتطلب جعل الخدمات أكثر وضوحا ويسرا وأقل كلفة، مع مراعاة حاجات الفئات المستهدفة وظروفها الاقتصادية والاجتماعية.
فالتحدي اليوم لا يتمثل فقط في فتح حساب مالي، بل في تمكين النساء والشباب من استخدامه فعليا، وتحويل الخدمات المالية إلى أداة للاستقلال الاقتصادي وتحسين فرص التشغيل وإطلاق المشاريع.


