من السليمانية إلى اتحاد الكتّاب التونسيين… قطار فتحية الهاشمي يواصل رحلته من محطة إلى أخرى، حاملاً سؤال الهجرة والهوية والانتماء
بقلم: أميرة قارشي
في قلب المدينة العتيقة، حيث تتنفس الأزقة عبق التاريخ وتختزن الجدران ذاكرة المكان، احتضن مقر جمعية ابن عرفة بالسليمانية مؤخرًا لقاءً أدبيًا احتفائيًا بآخر إصدارات الروائية فتحية الهاشمي، روايتها الجديدة «تارميني»، في موعد بدا منذ بدايته أبعد من مجرد تقديم كتاب، ليتحوّل إلى مساحة مفتوحة للقراءة والنقاش واستعادة أسئلة الإنسان وهو يقف على تخوم الوطن والذاكرة.
ولعل اختيار شهر سبتمبر لهذا اللقاء لم يكن مجرد تفصيل زمني عابر، فـ«تارميني» رواية ولدت، في جوهرها، من سؤال الإنسان حين يغادر وطنه، ومن تلك المسافة الموجعة بين أرض يتركها وجذور لا تتركه. إنها رحلة في الهجرة والاغتراب والهوية والذاكرة، وفي الإنسان المعلّق بين أكثر من مكان وأكثر من احتمال، حيث يصبح الوطن سؤالًا دائم الحضور حتى عندما يصبح بعيدًا.
وأشرف على إدارة اللقاء الحواري الأستاذ عبد العزيز بن عبد الله، فيما قدّمت الأستاذة نجاح عز الدين مداخلة حول العمل، بحضور رئيس جمعية ابن عرفة الشاعر سوف عبيد، إلى جانب الدكتورين الشاعرين رضا الماجري ومختار بن إسماعيل، والروائية مسعودة بن بوبكر، وعدد من المبدعين والكتاب والمهتمين بالشأن الثقافي والأدبي.
من الرواية إلى أسئلتها
دار الحوار حول «تارميني» من خلال التوقف عند أسباب ولادتها، وتعرجات مساراتها، وأسئلتها ومبتغاها، لتتعدد القراءات والتأويلات والتدخلات، ويتحوّل اللقاء تدريجيًا إلى حوار مفتوح بين الرواية وقرائها، وبين التجارب الإبداعية المختلفة.
ولم يكن النقاش محصورًا في حدود العمل الروائي ذاته، بل امتد إلى تجربة الكاتبة ومسارها الإبداعي، وما تطرحه كتاباتها من أسئلة تتصل بالإنسان والمكان والذاكرة، بما جعل «تارميني» مدخلًا للحديث عن الكتابة بوصفها بحثًا دائمًا عن المعنى، ومحاولة لاستعادة ما قد يبدو مهددًا بالغياب.
وكان تعقيب الدكتور المنذر المرزوقي لافتًا، إذ تناول تجربة الكاتبة الإبداعية في تونس، واعتبرها من الأصوات الأدبية المتعددة والمختلفة عن السائد، داعيًا إلى مقاربة تجربتها بجدية في مختلف أجناسها الإبداعية، من السرد والمسرح والرواية إلى الشعر.
كما أضاف الناقد الهادي الرقيق إلى النقاش بمداخلة أنيقة فتحت منعرجًا آخر في الحوار، فيما استعرضت الروائية مسعودة بن بوبكر جانبًا من تجربتها وذكرياتها المشتركة مع فتحية الهاشمي، بحكم ترافقهما لسنوات، في شهادة إنسانية أضفت على اللقاء بعدًا شخصيًا ووجدانيًا.
حين تصبح الكلمة موعدًا مع الموسيقى
ولم تكن الكلمة وحدها بطلة هذا الموعد الأدبي، فقد كان للموسيقى حضورها أيضًا من خلال معزوفات على آلة الناي قدّمها العازف رشيد بن جوهرة، لتتجاور الموسيقى مع الشعر والسرد، ويصبح اللقاء فضاءً تتقاطع فيه أشكال التعبير بدل أن تبقى منفصلة عن بعضها.
كما كان للأصوات الشعرية والسردية حضورها اللافت، حيث تداول المشاركون على قراءة نماذج من إنتاجاتهم الشعرية والروائية، ليأخذ اللقاء طابعًا إبداعيًا مفتوحًا، لا يكتفي بالحديث عن الكتاب وإنما يجعل من الكتابة نفسها جزءًا من الاحتفاء.
«تارميني» تواصل الرحلة
لكن يبدو أن قطار «تارميني» لم يكن بصدد التوقف طويلًا في محطة السليمانية.
فقد أعلنت الرواية عن محطة جديدة يوم 8 أكتوبر المقبل، حين تنتقل إلى مقر اتحاد الكتّاب التونسيين، لتواصل بذلك خط سيرها من لقاء إلى آخر، ومن قراءة إلى أخرى.
وهنا تعود الرواية إلى لعبة الصدف مرة أخرى: من سبتمبر إلى أكتوبر، ومن «أيلول» بما يحمله من ظلال وذاكرة، إلى أكتوبر بما يحمله في الذاكرة التونسية من دلالات الثورة والتحوّل… فهل هي مجرد مصادفة زمنية أم أن الرواية، وهي تشق طريقها بين المحطات، تصنع لنفسها تقويمًا خاصًا؟
ربما لا توجد إجابة واحدة.
فـ«تارميني» تبدو كأنها رواية لا تريد أن تستقر في محطة واحدة، بل تواصل السفر، حاملة معها سؤالها الأزلي:
حين يغادر الإنسان وطنه… هل يستطيع الوطن أن يغادره؟
سؤال يظل مفتوحًا من محطة إلى أخرى، وتنسلّ منه الرواية في كل مرة وطنًا من وطن، وذاكرة من ذاكرة، وحكاية من حكاية… لتؤكد أن بعض الرحلات لا تنتهي بالوصول، وأن بعض الأوطان، مهما ابتعدنا عنها، تظل تسافر معنا.


