بقلم: عزيز بن جميع
قبل كل دورة من مهرجان قرطاج الدولي، تتجدد الآمال في أن يحمل أعرق مهرجان تونسي رؤية ثقافية متجددة تليق بتاريخه. لكن هذه السنة، جاءت الانتقادات أكثر حدة، بعدما وصف الأستاذ عز الدين بالنور، المحامي والأكاديمي الجامعي، البرمجة الحالية بأنها تعكس ما سماه "إفلاساً فنياً وثقافياً".
ويرى بالنور أن الإشكال لا يتعلق بقيمة الفنانين المشاركين، فصابر الرباعي ولطفي بوشناق وغيرهما من الأسماء الكبيرة يمثلون جزءاً من الذاكرة الفنية التونسية، غير أن الإصرار على إعادة الأسماء نفسها في كل دورة، وفق تقديره، يكشف غياب رؤية جديدة قادرة على ضخ دماء مختلفة في مهرجان يفترض أن يكون منصة للإبداع والتجديد، لا مجرد إعادة إنتاج لما سبق.
ويعتبر أن سياسة التكرار أفقدت المهرجان عنصر المفاجأة، وحولت البرمجة إلى خيارات مألوفة لا تستجيب لتطلعات جمهور يبحث عن التنوع والانفتاح على تجارب موسيقية وفنية جديدة، سواء من تونس أو من مختلف أنحاء العالم.
ولا تتوقف انتقادات بالنور عند مستوى البرمجة، بل تمتد إلى طريقة إدارة المهرجان، إذ يحمّل متعهدي الحفلات جزءاً كبيراً من المسؤولية، معتبراً أن تأثيرهم في اختيار العروض أصبح طاغياً على حساب الدور الثقافي للمؤسسة المنظمة. وبرأيه، فإن منطق السوق والمردودية التجارية بات يتقدم على الاعتبارات الفنية، وهو ما يهدد هوية مهرجان قرطاج كفضاء للإشعاع الثقافي والإبداعي.
وفي هذا السياق، يذهب بالنور إلى حد الدعوة إلى إيقاف المهرجان مؤقتاً وإعادة هيكلته، معتبراً أن هذا الخيار، وإن بدا صادماً، قد يكون ضرورياً لإطلاق إصلاح شامل يعيد للمهرجان استقلالية قراره الفني، ويضع حداً لما يعتبره هيمنة المصالح التجارية على خياراته.
وتفتح هذه التصريحات باباً واسعاً للنقاش حول مستقبل مهرجان قرطاج الدولي، بين من يرى أن البرمجة الحالية تستجيب لذائقة الجمهور وتضمن نجاحاً جماهيرياً، ومن يعتبر أن المهرجان مطالب اليوم باستعادة دوره التاريخي كمختبر للإبداع ومنصة لاكتشاف التجارب الفنية الجديدة.
ويبقى السؤال مطروحاً: هل يحتاج مهرجان قرطاج إلى مراجعة جذرية لفلسفة برمجته وآليات تسييره، أم أن التوازن بين البعد الثقافي ومتطلبات السوق أصبح أمراً لا مفر منه؟ الإجابة ستظل رهينة الحوار بين مختلف الفاعلين في المشهد الثقافي، حفاظاً على مكانة أحد أبرز المواعيد الفنية في تونس والعالم العربي.


