هل تشيخ الأجيال الجديدة أسرع؟ دراسة تكشف رابطًا مقلقًا بالسرطان المبكر

هل تشيخ الأجيال الجديدة أسرع؟ دراسة تكشف رابطًا مقلقًا بالسرطان المبكر

علامات التقدم البيولوجي في العمر تتزايد لدى المولودين في العقود الأحدث.. فهل تساعد هذه الظاهرة على تفسير ارتفاع بعض أنواع السرطان لدى الشباب؟

هل أصبحت أجسام الأجيال الجديدة تشيخ بوتيرة أسرع مما كانت عليه لدى الأجيال السابقة؟ سؤال يثير اهتمام الباحثين، في ظل تزايد تشخيص بعض أنواع السرطان لدى البالغين الأصغر سنًا، وهي ظاهرة لا تزال أسبابها معقدة وغير مفهومة بالكامل.

وفي محاولة لفهم هذه المسألة، كشفت دراسة علمية نُشرت في دورية «نيتشر ميديسن» عن ارتباط بين التقدم البيولوجي المتسارع في العمر وارتفاع خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان المبكر، استنادًا إلى تحليل بيانات مئات الآلاف من المشاركين في قواعد بيانات صحية بريطانية وأميركية.

العمر البيولوجي.. ما الذي يكشفه؟

لا يُقاس العمر البيولوجي بعدد السنوات التي عاشها الإنسان، بل بالتغيرات التي تطرأ على وظائف الجسم ومؤشراته الحيوية على المستوى الخلوي والجزيئي. وقد يبدو شخصان في العمر الزمني نفسه مختلفين من حيث حالتهم البيولوجية، إذ قد تُظهر المؤشرات الصحية لدى أحدهما خصائص ترتبط عادةً بأشخاص أكبر سنًا.

وحلّل الباحثون بيانات 154 ألفًا و169 مشاركًا من البنك الحيوي البريطاني، مستخدمين مؤشرات سريرية وأيضية لتقدير الفارق بين العمر البيولوجي والعمر الزمني.

وأظهرت النتائج أن الأشخاص المولودين بين عامي 1965 و1974 سجّلوا، وفق أحد مقاييس الدراسة، فارقًا في العمر البيولوجي أعلى بنحو 23 بالمئة مقارنة بالمولودين بين عامي 1950 و1954.

كما أظهرت بيانات أميركية اتجاهًا مشابهًا؛ إذ سجّل المولودون بين عامي 1990 و1999 مستويات أعلى من التقدم البيولوجي في العمر مقارنة بالمولودين بين عامي 1965 و1969، وفق المقياس المستخدم في الدراسة.

صلة محتملة بالسرطان المبكر

لم تقتصر الدراسة على مقارنة مؤشرات الشيخوخة بين الأجيال، بل بحثت أيضًا في علاقتها بخطر الإصابة بالسرطان قبل سن الخامسة والخمسين.

ووجد الباحثون ارتباطًا بين ارتفاع العمر البيولوجي وزيادة خطر الإصابة ببعض الأورام الصلبة المبكرة، ولا سيما سرطانات الرئة والجهاز الهضمي والرحم. كما دعمت بيانات من برنامج بحثي صحي في الولايات المتحدة بعض النتائج التي توصل إليها التحليل البريطاني.

وتفتح هذه المعطيات مسارًا بحثيًا لفهم أسباب ظهور بعض السرطانات في أعمار أصغر، خصوصًا أن التقدم في العمر يُعد من عوامل الخطر المعروفة للإصابة بالمرض.

لكن الدراسة لا تثبت أن تسارع الشيخوخة البيولوجية هو السبب المباشر للسرطان المبكر، ولا تسمح باعتبار العمر البيولوجي وحده أداة لتحديد ما إذا كان شخص بعينه سيصاب بالمرض.

نمط الحياة والبيئة.. عوامل متداخلة

تتداخل في الشيخوخة البيولوجية عوامل متعددة، من بينها الاستعدادات الوراثية، والتغذية، والسمنة، والتدخين، والنشاط البدني، والتعرض للملوثات البيئية.

وقد تؤثر بعض هذه العوامل في مؤشرات الشيخوخة وفي مخاطر الإصابة بالسرطان في الوقت نفسه، وهو ما يجعل تحديد العلاقة السببية بين الظاهرتين مسألة تحتاج إلى دراسات إضافية.

ويرى الباحثون أن مؤشرات العمر البيولوجي قد تساعد على فهم التأثير التراكمي للعوامل التي يتعرض لها الجسم، لكنها لا تختزل أسباب السرطان في عامل واحد.

لغز صحي لا يزال مفتوحًا

يمثل ارتفاع معدلات بعض أنواع السرطان لدى البالغين الأصغر سنًا تحديًا متزايدًا أمام الباحثين وأنظمة الصحة، ويدفع إلى البحث عن عوامل قد تفسر اختلاف المخاطر بين الأجيال.

وتقدم الدراسة المنشورة في «نيتشر ميديسن» دليلًا على وجود ارتباط بين التقدم البيولوجي في العمر والسرطان المبكر، لكنها تترك أسئلة أساسية بلا إجابة نهائية: ما العوامل التي تسرّع الشيخوخة البيولوجية؟ وإلى أي مدى تسهم في ارتفاع معدلات السرطان؟ وهل يمكن الاستفادة من هذه المؤشرات في الوقاية مستقبلًا؟

وإلى أن تتضح هذه المسائل، تبقى الخلاصة الأهم أن السرطان المبكر ظاهرة متعددة العوامل، وأن فهمها يتطلب دراسة التفاعل بين الوراثة والبيئة ونمط الحياة والتغيرات البيولوجية التي ترافق التقدم في العمر.