لماذا يرتدي رواد الفضاء خوذات بواقيات ذهبية؟ السر ليس في اللمعان!

لماذا يرتدي رواد الفضاء خوذات بواقيات ذهبية؟ السر ليس في اللمعان!

قد تبدو الخوذات ذات الواقيات الذهبية التي يرتديها رواد الفضاء وكأنها جزء من تصميم مستقبلي أو لمسة جمالية تميزهم عن غيرهم، لكن خلف ذلك اللون اللامع حكاية علمية دقيقة ترتبط مباشرة بسلامة الإنسان خارج الأرض.

ففي الفضاء، لا يوجد الغلاف الجوي الذي يحمي الإنسان على سطح الأرض من جزء كبير من الإشعاع الشمسي. ولذلك يحتاج رائد الفضاء إلى وسائل حماية متطورة، ويأتي الواقي المطلي بطبقة رقيقة من الذهب في مقدمة هذه الوسائل، لحماية العينين من شدة الضوء وبعض أنواع الإشعاع والوهج الشمسي.

ذهب على الخوذة.. حماية لا زينة

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى غريبًا: لماذا الذهب تحديدًا؟

السر يكمن في الخصائص الفيزيائية لهذا المعدن. فالذهب قادر على عكس جزء كبير من الأشعة تحت الحمراء وبعض الإشعاعات القادمة من الشمس، بينما تسمح الطبقة الرقيقة منه بمرور نسبة كبيرة من الضوء المرئي، وهو ما يتيح لرائد الفضاء الرؤية بوضوح أثناء العمل خارج المركبة.

وهذه المعادلة بالغة الأهمية؛ فالواقي يجب أن يحمي العين من شدة الإشعاع والضوء، لكن من دون أن يحول دون الرؤية.

كما يساهم الواقي الذهبي في الحد من وهج الشمس القوي، خاصة في بيئة لا يوفر فيها الغلاف الجوي الحماية والترشيح الطبيعيين الموجودين على الأرض.

حكاية بدأت قبل عقود

لم تظهر فكرة استخدام الذهب في خوذات رواد الفضاء حديثًا، بل تعود إلى ستينيات القرن الماضي، حيث ظهرت الواقيات المطلية بالذهب ضمن معدات رواد الفضاء في مهمات «جيميني» منذ عام 1965.

ومع تطور برنامج الفضاء الأميركي، أصبحت هذه التقنية جزءًا من تجهيزات رواد الفضاء خلال مهمات «أبولو» التي قادت الإنسان إلى سطح القمر.

وكانت الصورة الشهيرة لرواد الفضاء على سطح القمر، ومن بينهم نيل أرمسترونغ وباز ألدرين خلال مهمة عام 1969، كفيلة بجعل الخوذة ذات الواقي الذهبي واحدة من أكثر الرموز ارتباطًا باستكشاف الفضاء.

لكن خلف تلك الصورة التاريخية كانت هناك وظيفة أساسية: حماية العينين من بيئة شديدة القسوة لا تشبه أي بيئة على الأرض.

كيف يمكن لطبقة ذهبية شديدة الرقة أن تحمي العين؟

المثير في هذه التقنية أن كمية الذهب المستخدمة ليست كبيرة كما قد يوحي مظهر الواقي.

فالذهب يتميز بقابلية عالية جدًا للطرق والسحب، ما يسمح بتحويل كمية صغيرة منه إلى طبقة بالغة الرقة يمكنها تغطية مساحة واسعة.

وبهذه السماكة المحدودة، يمكن الاستفادة من خصائص الذهب العاكسة من دون جعل الواقي معتمًا أو ثقيلًا، فيبقى رائد الفضاء قادرًا على رؤية محيطه أثناء تنفيذ مهامه.

إنها ببساطة هندسة دقيقة لتحقيق توازن بين الحماية والرؤية في واحدة من أكثر البيئات تطلبًا التي يمكن للإنسان أن يعمل فيها.

من «أبولو» إلى بدلات الفضاء الحديثة

ومع مرور العقود وتطور تكنولوجيا الفضاء، لم تختفِ فكرة استخدام الطبقات المعدنية الواقية، بل تطورت لتصبح جزءًا من أنظمة حماية أكثر تعقيدًا.

وتستخدم ناسا في تصاميم بدلات الفضاء الحديثة طبقات ومواد متخصصة للمساعدة في حماية رواد الفضاء من الإشعاع والوهج والظروف القاسية أثناء العمل خارج المركبات، وفق ما أوردته تقارير متخصصة.

فالهدف لم يكن يومًا جعل الخوذة تبدو ذهبية فحسب، وإنما تحويل معدن ثمين إلى درع بصري صغير يحمي الإنسان من قسوة الشمس في الفضاء.

الذهب.. أكثر من مجرد معدن ثمين

ولا يتوقف حضور الذهب في عالم الفضاء عند خوذات رواد الفضاء. فخصائصه، ومن بينها المقاومة العالية للتآكل والموصلية الكهربائية الجيدة، جعلته مادة مفيدة في بعض مكونات المركبات والأقمار الصناعية.

وهكذا يتحول الذهب، الذي ارتبط عبر التاريخ بالثروة والمجوهرات والفخامة، إلى مادة تقنية تؤدي أدوارًا مهمة في بيئة لا ترحم.

وفي المرة المقبلة التي تشاهد فيها رائد فضاء بخوذة ذات واقٍ ذهبي، تذكر أن ذلك اللون اللامع ليس للزينة ولا للاستعراض...

إنه درع بالغ الرقة، صُمم ليحمي عيني الإنسان عندما يواجه الشمس مباشرة، بعيدًا عن الغلاف الجوي للأرض.