في مشهد يلخّص الصراع المتصاعد بين الزحف التكنولوجي والهوية الزراعية، رفض فلاح في جنوب وسط ولاية بنسلفانيا عرضًا ماليًا ضخمًا بقيمة 15 مليون دولار لبيع أرضه لمطوّر كان يخطط لبناء مركز بيانات مخصص للذكاء الاصطناعي.
وعاش ميرفين رودابو على أرضه في بلدة سيلفر سبرينغ، على بعد نحو 20 دقيقة غرب مدينة هاريسبرغ، لأكثر من خمسين عامًا، قبل أن يجد نفسه في مواجهة ضغوط متزايدة من مطوّر لم يُكشف عن هويته، ساعيًا لتحويل المزرعة إلى جزء من البنية التحتية لعصر الذكاء الاصطناعي.
ورغم الإغراء المالي الكبير، اختار رودابو رفض العرض، معبّرًا عن شعوره بعدم الارتياح إزاء محاولات الضغط، ومفضّلًا البحث عن حل يضمن بقاء الأرض زراعية ويحافظ على إرثه وهويته المحلية.
وفي خطوة حاسمة، انضم رودابو إلى برنامج محلي لحماية الأراضي، يتيح لأصحاب المزارع منع تحويل أراضيهم إلى مشاريع تطويرية كبرى، مقابل تعويض مالي أقل تأثيرًا على طبيعة الأرض. وبموجب هذا البرنامج، يمكن لرودابو بيع أرضه مستقبلًا، ولكن فقط كأرض زراعية، ما يعني التخلي عن أرباح هائلة مقابل الحفاظ على الاستدامة والهوية الريفية.
ويعكس هذا القرار موقفًا واضحًا من الفلاح الأمريكي، الذي فضّل الأرض على المال، في وقت تتزايد فيه شهية شركات التكنولوجيا العملاقة للاستحواذ على المساحات المفتوحة لبناء مراكز بيانات عملاقة.
وتندرج هذه القصة ضمن جدل أوسع حول مراكز البيانات، التي أصبحت عنصرًا جديدًا في نقاشات “ليس في فناء منزلي” (NIMBY). فهذه المنشآت الضخمة، التي تشكل العمود الفقري لعصر الذكاء الاصطناعي، تتطلب كميات هائلة من الطاقة والمياه، وتثير مخاوف بيئية متزايدة لدى المجتمعات المحلية.
وتضم الولايات المتحدة أكثر من 5400 مركز بيانات، من بينها مراكز مخصصة لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو ما جعل ولايات مثل بنسلفانيا وجهة متصاعدة لهذه الاستثمارات، وسط انقسام حاد بين مؤيدين يرون فيها فرصة اقتصادية، ومعارضين يحذرون من آثارها البيئية.
ولا تقتصر المخاوف على سيلفر سبرينغ فقط، إذ تخطط شركتا “شركاء مراكز البيانات في بنسلفانيا” و“باورهاوس داتا سنترز” لإقامة ثلاثة مجمعات ضخمة قرب بلدة كارلايل، ضمن مشروع “بنسلفانيا ديجيتال 1”، يضم 18 مبنى، ما أجّج قلق السكان بشأن استهلاك الموارد الطبيعية.
في هذا السياق، تحوّلت مزرعة رودابو إلى رمز لمواجهة هادئة بين الإنسان والأرض من جهة، وطموحات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، في معركة يبدو أن فصولها ستتكرر في مناطق كثيرة حول العالم.



