ثلاثة أيام فقط كانت كافية لتقديم صورة مختلفة عن النادي الإفريقي، صورة لا تختصرها نتائج المباريات ولا الألقاب، بل تختصرها الثقة المتبادلة بين إدارة النادي وجماهيره.
في ظرف زمني قياسي، كان جمهور الإفريقي على موعد مع ثلاثة استحقاقات مختلفة تمامًا: فن، رياضة، وديمقراطية. والأهم من طبيعة هذه المواعيد هو الجرأة في تنظيمها تباعًا، والرهان على جمهور أثبت عبر السنوات أنه قادر على الحضور كلما نودي باسمه.
المسألة هنا ليست في تفاصيل ما حدث فوق الخشبة أو داخل الملعب أو في قاعة الجلسة العامة، وإنما في قرار الإدارة نفسها: أن تفتح ثلاثة أبواب متتالية أمام جمهورها، وهي مطمئنة إلى أن المدرجات والقاعة والمسرح لن تكون خالية.
إدارة راهنت على جمهورها.. ولم تخشَ «التعب»
كان من الممكن، حسابيًا وتنظيميًا، أن يبدو تنظيم ثلاثة مواعيد بهذا الحجم في نهاية أسبوع واحد مجازفة.
فالجمهور الذي حضر «سمفونية الإفريقي» يوم 28 أوت في مسرح قرطاج، هو نفسه المدعو إلى ملعب رادس يوم 29 أوت، ثم إلى الجلسة العامة يوم 30 أوت.
ثلاثة أيام متتالية، وثلاثة فضاءات مختلفة، وثلاثة أشكال من الحضور.
لكن إدارة النادي لم تتعامل مع جمهورها بمنطق الأرقام الباردة، ولم تسأل على ما يبدو: هل سيأتي؟
بل تعاملت معه بمنطق أكثر جرأة:
نعرف جمهورنا.. وسيكون حاضرًا.
وهذه الثقة في حد ذاتها تستحق التوقف.
الإفريقي لا يختبر جمهوره.. بل يثق فيه
في كثير من الأحيان، تتعامل الإدارات الرياضية مع الجمهور باعتباره عنصرًا مرتبطًا بالمباراة فقط.
أما في الإفريقي، فإن ما حدث خلال هذا الأسبوع قدم صورة مختلفة: الجمهور حاضر في الموعد الثقافي، ثم في الموعد الرياضي، ثم في الموعد المؤسساتي.
وهذا يعني أن العلاقة بين النادي ومحيطه لم تعد محصورة في 90 دقيقة.
إنها علاقة أوسع، تستطيع الإدارة أن تبني عليها وتراهن عليها.
والأهم أن الإدارة لم تكتفِ بإطلاق موعد واحد وانتظار رد الفعل، بل وضعت أمام جمهورها ثلاثة مواعيد كبرى متتالية، وكأنها تقول له: نحن نعرف أنك موجود، ونعرف أنك ستأتي.
الثقة ليست شعارًا.. إنها قرار
تنظيم حدث كبير في مسرح قرطاج يحتاج إلى جمهور.
وتنظيم مباراة في رادس يحتاج إلى جمهور.
وعقد جلسة عامة تحتاج إلى حضور ومشاركة.
وعندما تأتي هذه المواعيد الواحد تلو الآخر، فإن نجاحها لا يتعلق فقط بالبرنامج أو التنظيم، بل بوجود قاعدة جماهيرية قادرة على التفاعل معها.
لهذا فإن شجاعة إدارة النادي الإفريقي لا تكمن فقط في تنظيم هذه الأنشطة، وإنما في الثقة الكبيرة التي أظهرتها في جماهيرها.
ثقة لم تنتظر اختبارًا، ولم تطلب ضمانات، ولم تقل: ربما يأتي الجمهور، وربما لا يأتي.
لقد تصرفت على أساس أن جمهور الإفريقي موجود.
72 ساعة.. ووجه واحد اسمه الإفريقي
في 72 ساعة تقريبًا، انتقل المحب من فضاء الفن إلى فضاء الرياضة، ثم إلى فضاء المشاركة في شؤون النادي.
قد تختلف المناسبة، وقد يتغير المكان، لكن الرابط ظل واحدًا: الإفريقي.
وهذا ربما هو المعنى الأعمق لهذه الأيام الثلاثة.
أن الإدارة لم ترَ في جمهورها مجرد مشجع ينتظر المباراة، بل رأت فيه شريكًا في الحياة اليومية للنادي.
والجمهور بدوره لم يتعامل مع الإفريقي كفريق يلعب مرة في الأسبوع، وإنما كجزء من حياته وذاكرته ووجدانه.
رسالة أكبر من ثلاثة مواعيد
ما حدث ليس مجرد رزنامة مزدحمة في نهاية أسبوع.
إنه رسالة واضحة عن حجم العلاقة بين النادي وجمهوره.
إدارة تثق، وجمهور يستجيب.
إدارة تفتح الأبواب، وجمهور يدخل منها.
إدارة تنظم ثلاثة مواعيد كبرى في ثلاثة أيام، وهي مطمئنة إلى أن المحبين سيكونون هناك.
وهنا تحديدًا تكمن شجاعة التجربة.
فقد يكون من السهل تنظيم حدث واحد وانتظار نجاحه، لكن أن تضع الفن والرياضة والديمقراطية في ثلاثة أيام متتالية، فهذا يعني أن من اتخذ القرار كان يعرف جيدًا لمن يوجه الدعوة.
جمهور الإفريقي لم يكن أمام ثلاثة مواعيد فقط.. كان أمام ثلاثة وجوه لنادٍ واحد. والإدارة، قبل أن تراهن على هذه المواعيد، راهنت على شيء أكبر: ثقتها في جمهورها.
الإفريقي ليس مجرد فريق.. والإدارة تعرف ذلك، ولذلك تصرفت على هذا الأساس.


