تتعدد مظاهر الجريمة والعنف في تونس من قتل واغتصاب واعتداء وسرقة وقطع طريق وترويج مخدرات وتحرش وابتزاز وتخريب وعنف أسري ومدرسي وجرائم رقمية وهي ظواهر لا يمكن اختزالها في الجانب الأمني وحده لأنها ترتبط أيضا بالواقع الاجتماعي والاقتصادي والتربوي وبمدى حضور القانون في الحياة اليومية. فهل نكتفي بملاحقة الجريمة بعد وقوعها أم نعمل على منع أسبابها قبل أن تتحول إلى ضحايا جديدة؟
وتونس تملك إطارا قانونيا متنوعا يشمل المجلة الجزائية ومجلة حماية الطفل والقانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة والقانون عدد 52 لسنة 1992 المتعلق بالمخدرات والمرسوم عدد 54 لسنة 2022 المتعلق بالجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال. غير أن وجود النص القانوني يطرح سؤالا آخر: هل تكفي القوانين إذا لم تترافق مع سرعة التبليغ وفعالية التدخل وحماية الضحايا وتطبيق عادل للقانون؟
وتكشف الأرقام حجم التحديات الاجتماعية فقد بلغت البطالة في تونس 15.2 بالمائة في الثلاثي الرابع من سنة 2025 وبلغت بطالة الشباب بين 15 و24 سنة 38.4 بالمائة وفقا للمعهد الوطني للإحصاء كما أظهرت معطيات اليونيسف أن 81 بالمائة من الأطفال تعرضوا لشكل من أشكال التأديب العنيف سنة 2023. هذه المؤشرات لا تعني أن البطالة أو الفقر ينتجان الجريمة بصورة مباشرة لكنها تؤكد الحاجة إلى سياسات وقائية تستثمر في الشباب والتعليم والحماية الاجتماعية والعمل.
ومن الناحية الاقتصادية فإن الجريمة لها كلفة تتجاوز الضحية المباشرة لتشمل الصحة والقضاء والأمن والتعليم والإنتاجية والاستقرار الأسري والاجتماعي ولذلك فإن مكافحة الجريمة يجب أن تصبح جزءا من التنمية نفسها عبر توفير فرص العمل والتكوين والمبادرة الاقتصادية ودعم المناطق الهشة وتوسيع الفضاءات الرياضية والثقافية وتعزيز حماية النساء والأطفال وتطوير التربية الرقمية ومواجهة شبكات المخدرات والجريمة المنظمة.
ويبقى السؤال الأهم إلى متى ننتظر وقوع الجريمة حتى نتحرك؟ كم جريمة كان يمكن منعها لو اكتشفنا أسبابها مبكرا؟ كيف نحمي الطفل قبل أن يصبح ضحية؟ وكيف نوفر للشباب طريقا إلى التعليم والعمل قبل أن تستقطبه شبكات الجريمة؟ إن الحل يتطلب دولة قوية بمؤسساتها وقانونها يجمع بين الوقاية والردع والحماية وإعادة الإدماج لأن الأمن الحقيقي لا يبدأ بعد وقوع الجريمة وإنما يبدأ بمنع أسبابها وحماية الإنسان وصناعة مجتمع أكثر عدلا واستقرارا.


