الزقوقو في تونس.. ثروة غابية تُسرق من الدولة ويُدفع ثمنها من جيب المواطن

الزقوقو في تونس.. ثروة غابية تُسرق من الدولة ويُدفع ثمنها من جيب المواطن

60 ديناراً للكيلوغرام في السوق، ونحو 25 ديناراً عند جامعيه.. وبين الرقمين قصة ثروة غابية تونسية تتحول كل سنة إلى موسم للربح السريع، بينما يدفع المواطن الثمن، وتبقى الدولة أمام سؤال محرج: كيف تتحول منتجات أشجار غابية على ملك الدولة إلى تجارة بمليارات المليمات دون أن يستفيد منها عموم التونسيين؟

الزقوقو ليس محصولاً فلاحياً بالمعنى الذي يحاول البعض تقديمه به، ولا هو منتج يزرعه الفلاح في أرضه وينفق عليه من حرث وسقي وأسمدة وأدوية ثم ينتظر موسماً ليجني ثمرة تعبه.

بحسب المعطيات التي يطرحها هذا الملف، فإن الجزء الأكبر من أشجار الصنوبر الحلبي المنتجة للزقوقو موجود في مناطق غابية تابعة للدولة، وأن نحو 90 بالمائة من هذه الأشجار توجد في أراضٍ عمومية.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

من يملك الشجرة؟ ومن يربح من ثمرتها؟

إذا كانت الشجرة قائمة في غابة عمومية، فإن الزقوقو الذي تنتجه ليس منطقياً أن يتحول إلى ثروة خاصة لمن يلتقطه من الغابة ثم يبيعه لمن يدفع أكثر، بعيداً عن سؤال الملكية وطرق الاستغلال القانونية.

المشهد، في أبسط صوره، يشبه ما كان يحدث للأطفال في الماضي عندما كانوا يقطفون التوت من أشجار المدارس أو الحدائق ويبيعونه في الأحياء.

لكن الفرق أن الأمر اليوم يتعلق بثروة غابية، وبسوق تصل فيها أسعار الزقوقو إلى 60 ديناراً للكيلوغرام.

فمن يقطف؟
ومن يدفع؟
ومن يملك حق الاستغلال؟
ومن يراقب؟
ومن يستفيد فعلياً من هذه الثروة؟

أسئلة تبدو بسيطة، لكنها تصبح شديدة الأهمية عندما يتحول منتج من غابة عمومية إلى تجارة مربحة وموسمية.

25 ديناراً للجامع و60 ديناراً للمستهلك

الأرقام وحدها تكشف حجم المشكلة.

يُشترى الكيلوغرام من بعض جامعي الزقوقو في المناطق الجبلية بحوالي 25 ديناراً، قبل أن يصل سعره في السوق إلى نحو 60 ديناراً.

أي أن الفارق يصل إلى 35 ديناراً في الكيلوغرام الواحد.

وبطبيعة الحال، لا يمكن اعتبار كامل هذا الفارق ربحاً صافياً، إذ توجد تكاليف نقل وتجميع وفرز وتخزين وتحويل وتوزيع. لكن السؤال المشروع هو: من يلتقط الحصة الأكبر من القيمة المضافة؟

وهل يحصل المواطن التونسي، باعتباره مالكاً للثروة الغابية العمومية، على نصيب عادل من هذه القيمة؟

أم أن الدولة تتحمل حماية الغابة، فيما يستفيد آخرون من ثمارها؟

«السلف».. حين يتحول الفقر إلى أداة للسيطرة

الأخطر في المعادلة ليس فقط السعر.

المعطيات تشير إلى لجوء بعض الوسطاء وكبار التجار إلى تقديم ما يعرف بـ**«السلف»** للعائلات والعمال الذين يجمعون الزقوقو، مقابل ضمان الحصول على محصولهم.

وهنا ندخل إلى منطقة أكثر تعقيداً.

فالجامع الذي يعيش في منطقة جبلية وقد يحتاج إلى المال قبل الموسم يجد نفسه مرتبطاً بتاجر موّل نشاطه مسبقاً، وبالتالي يصبح محصوله محجوزاً عملياً قبل أن يغادر الغابة.

هكذا تنتقل القوة من يد الجامع إلى يد الوسيط، ويتحول المنتج الأولي إلى الحلقة الأضعف في سلسلة تجارية تزداد فيها الأرباح كلما اقترب الزقوقو من المستهلك.

والسؤال هنا ليس اتهاماً لكل جامع أو كل تاجر، وإنما يتعلق بمنظومة كاملة تحتاج إلى الشفافية والرقابة وتحديد المسؤوليات.

والأخطر: هل تُستغل الغابات العمومية دون وجه حق؟

إذا كانت نسبة كبيرة من أشجار الزقوقو موجودة في أراضٍ تابعة للدولة، فإن القضية لا يجب أن تُقرأ باعتبارها مجرد ارتفاع في سعر مادة غذائية مرتبطة بمناسبة دينية.

إنها قبل ذلك قضية ثروة عمومية.

والثروة العمومية ليست ملكاً لفرد أو مجموعة أو وسيط.

إنها ملك للتونسيين جميعاً.

ومن هنا، فإن أي استغلال غير قانوني لهذه الثروة، أو جني خارج الأطر المنظمة، أو نقل وتخزين وبيع دون احترام التشريع، لا يمثل مجرد مخالفة تجارية، بل اعتداء على مورد مشترك يفترض أن يكون مردوده لفائدة المجموعة الوطنية.

لماذا لا تكون للدولة رؤية واضحة لاستغلال هذه الثروة الغابية؟

لماذا لا يتم تنظيم عملية الجمع بطريقة تحفظ حقوق الجامعين وتحمي الأشجار وتضمن للدولة عائداً مالياً واضحاً؟

ولماذا يُترك السوق للوسطاء بينما ترتفع الأسعار على المستهلك سنة بعد أخرى؟

مناسبة دينية.. وفرصة للربح الفاحش؟

الزقوقو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بعادات التونسيين وبإعداد عصيدة الزقوقو خلال المولد النبوي.

وهذا الارتباط الثقافي والديني يجعل الطلب على المنتج يرتفع في فترة قصيرة، وهي قاعدة اقتصادية معروفة: عندما يرتفع الطلب في وقت محدد، ترتفع قيمة السلعة.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول مناسبة دينية إلى موسم سنوي للضغط على جيوب العائلات.

عائلة تريد الاحتفال بمناسبة دينية، فتجد نفسها أمام كيلوغرام من الزقوقو قد يصل إلى 60 ديناراً، أي مبلغ ليس بسيطاً بالنسبة إلى القدرة الشرائية للتونسي.

وهنا يطرح المواطن السؤال الذي يختصر كل شيء:

هل أصبح الاحتفال بالمولد النبوي مناسبة للعبادة والفرح، أم موسمًا ذهبياً للمضاربة والربح السريع؟

والسؤال الأكثر حساسية:

إذا كان المسلم مأموراً بألا يغش ولا يحتكر ولا يستغل حاجة الناس، فهل ما يحدث في بعض حلقات هذه التجارة ينسجم مع أبسط مبادئ الدين والأخلاق؟

ليست القضية في الحكم على إيمان الأشخاص أو ديانتهم، فهذا شأن لا يملكه أحد. لكن من حق المجتمع أن يسأل عن الأخلاق في التجارة، خصوصاً عندما يكون الربح قائماً على استغلال حاجة الناس.

المواطن يدفع.. والغابة تدفع الثمن أيضاً

المشكلة لا تتوقف عند جيب المستهلك.

الجني المبكر للمخاريط قبل اكتمال نضجها يمكن أن يؤثر في قدرة الصنوبر الحلبي على التجدد الطبيعي، وفق المعطيات الواردة في النص.

وهذا يعني أن البحث عن الربح السريع قد يتحول إلى استنزاف للثروة نفسها.

اليوم نربح من الشجرة، وغداً قد لا نجد الشجرة.

وهنا تصبح المسألة بيئية واقتصادية في الوقت نفسه.

فالحرائق التي طالت عدداً من المناطق الغابية، خصوصاً في الكاف، قد لا تظهر آثارها كاملة في السوق الحالية، لكنها تهدد المواسم المقبلة من خلال تضرر أشجار الصنوبر الحلبي.

وإذا أضفنا إلى الحرائق الجني المبكر والاستغلال غير المنظم، فإن الخطر يصبح أكبر: ثروة طبيعية تتعرض للضغط من أكثر من جهة، وسوق تزداد فيها الأسعار، والمواطن هو الذي يدفع الثمن في النهاية.

لماذا لا تستفيد الدولة من ذهب الغابة؟

السؤال الأكثر إزعاجاً في هذا الملف هو: لماذا لا تتحول هذه الثروة إلى مورد اقتصادي منظم لفائدة الدولة والجهات الغابية والجامعين؟

الكاف وسليانة والقصرين وزغوان تمتلك إمكانات غابية مهمة في هذا المجال.

وكان بالإمكان بناء منظومة واضحة تقوم على:

  • تنظيم عمليات الجني ومنح التراخيص وفق شروط دقيقة.
  • حماية الأشجار ومنع الجني قبل اكتمال النضج.
  • تتبع الكميات الخارجة من الغابات.
  • معرفة هوية الجامعين والوسطاء والمخزنين.
  • ضمان سعر عادل للجامع.
  • مراقبة عمليات التخزين والبيع.
  • فرض شفافية كاملة على مسالك التوزيع.
  • توجيه جزء من العائدات إلى حماية الغابات وإعادة التشجير.

بدلاً من ذلك، يبدو أن جزءاً من السوق يتحرك بمنطق العرض والطلب والوساطة والربح، بينما تبقى الثروة الأصلية قائمة في غابات يفترض أنها ملك لكل التونسيين.

ليست مشكلة «الزقوقو» فقط

هذه القضية يجب ألا تختزل في سعر كيلوغرام من الزقوقو.

إنها مثال على سؤال أكبر:

كيف نتعامل مع ثرواتنا الطبيعية؟

هل نعتبر الغابة مجرد فضاء يمكن استغلاله عند الحاجة؟ أم ثروة وطنية يجب أن تكون لها سياسة اقتصادية وبيئية واضحة؟

هل نريد أن يبقى الجامع الحلقة الأضعف، والوسيط صاحب القوة الأكبر، والمستهلك صاحب الفاتورة الأعلى؟

أم نريد سلسلة إنتاج وتوزيع عادلة يستفيد منها الجميع؟

إلى الدولة: راقبوا الغابة قبل السوق

المطلوب ليس منع الناس من العمل أو قطع مصدر رزق العائلات الجبلية التي تعتمد على جمع المنتجات الغابية.

بل العكس تماماً.

المطلوب هو تنظيم هذا النشاط وحماية الجامعين من الاستغلال، وحماية الغابة من الاستنزاف، وحماية المستهلك من الأسعار المشطة، وحماية المال العام من الاستغلال غير القانوني.

وعلى أجهزة الدولة المعنية أن تجيب بوضوح عن طبيعة عمليات جمع الزقوقو في الغابات العمومية، ومن يملك تراخيص الاستغلال، وكيف تتم مراقبة الكميات، وكيف تدخل المنتجات إلى مسالك التجارة، ومن يراقب المخازن والوسطاء.

فإذا ثبت وجود استغلال غير قانوني لثروة غابية عمومية، فإن المسألة يجب ألا تعامل باعتبارها مجرد مخالفة بسيطة.

إنها اعتداء على مورد من موارد الشعب التونسي.

الزقوقو ليس ملكاً لمن يسبق إلى الغابة

في النهاية، هناك حقيقة يجب ألا تضيع وسط أرقام الأسعار والأرباح:

الغابة ملك للتونسيين.

والزقوقو الذي ينمو في أشجارها ليس غنيمة لمن يسبق إلى جمعه، ولا فرصة مفتوحة للثراء السريع على حساب المال العام والطبيعة والمستهلك.

أما استغلال مناسبة دينية لرفع الأسعار وإثقال كاهل العائلات، فهو أمر يستحق نقداً صريحاً، ليس فقط اقتصادياً، بل أخلاقياً أيضاً.

فمن حق التونسي أن يحتفل بمناسبته الدينية دون أن يشعر أنه مستهدف في جيبه.

ومن حق جامع الزقوقو أن يحصل على نصيب عادل من عمله.

ومن حق الغابة أن تُحمى.

ومن حق الدولة أن تستعيد دورها في حماية ثروات الشعب.

والسؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً ليس: كم سيبلغ سعر الزقوقو هذا العام؟

بل:

كم من ثروات تونسية أخرى تخرج من الغابات والجبال والبحار دون أن يعرف الشعب من استفاد منها، وكم سيدفع المواطن لاحقاً ثمن تركها للربح السريع؟