فرنسا على صفيح ساخن: احتجاجات غلاء المعيشة تتحوّل إلى ليلة من النهب والتخريب!

فرنسا على صفيح ساخن: احتجاجات غلاء المعيشة تتحوّل إلى ليلة من النهب والتخريب!

مواكبة صحفية

تواجه فرنسا موجة من التوتر الاجتماعي والسياسي، عقب يوم شهد احتجاجات واسعة ضد غلاء المعيشة، تخلّلتها أعمال عنف ونهب وتخريب طالت متاجر ومؤسسات عامة في عدد من المدن، في مشهد أعاد إلى الأذهان احتجاجات «السترات الصفراء» وأعمال الشغب التي عرفتها البلاد سنة 2023.

وبينما تحاول السلطات تقييم حجم الخسائر وإعادة الهدوء إلى الشوارع، تجد الحكومة نفسها أمام اختبار صعب، في ظل تصاعد الغضب الشعبي وتفاقم الضغوط الاقتصادية، فضلاً عن هشاشة وضعها السياسي وافتقارها إلى أغلبية برلمانية مستقرة.

مئات المؤسسات والمتاجر تحت الهجوم

في باريس ومدن فرنسية كبرى، خلّفت أعمال العنف واجهات زجاجية محطّمة ومتاجر منهوبة وشوارع غطّاها الحطام، فيما تحدثت السلطات المحلية عن عمليات تخريب واسعة طالت ممتلكات عامة وخاصة.

وفي مرسيليا وليل وبوردو، استُهدفت مبانٍ إدارية ومؤسسات محلية، بينما شهدت مدينة ليموج حريقاً ألحق أضراراً بجزء كبير من مبنى البلدية التاريخي.

وأفادت تقارير ميدانية بأن مجموعات من الشبان نفّذت عمليات نهب بصورة منظمة، مستهدفة متاجر بعد تعطيل كاميرات المراقبة وتحطيم واجهاتها، ما زاد من حدة المخاوف بشأن اتساع دائرة العنف وانعكاساته على الأمن العام والنشاط الاقتصادي.

حصيلة ثقيلة ومواجهة مفتوحة

أعلنت السلطات توقيف 1200 شخص، وإصابة 150 عنصراً من قوات الأمن خلال المواجهات. كما سُجّلت إصابات في صفوف المتظاهرين، بينها حالات خطرة، وفق المعطيات الواردة في التقرير.

وتعهّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بملاحقة المسؤولين عن أعمال التخريب والاعتداء على المؤسسات والشركات وعمليات النهب، فيما شدّد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو على خطورة الوضع، محذّراً من أن الحصيلة كان يمكن أن تكون أكبر.

وتتجاوز تداعيات هذه الأحداث الجانب الأمني، إذ يُتوقّع أن تخلّف الخسائر المادية أعباء مالية كبيرة على التجار والمؤسسات المحلية وشركات التأمين، فضلاً عن اضطراب النشاط التجاري وتراجع الشعور بالأمان لدى السكان.

550 ألف متظاهر وغضب اجتماعي متصاعد

وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، قدّرت وزارة الداخلية عدد المشاركين في الاحتجاجات بنحو 550 ألف شخص، مقابل تقديرات للمنظمين بلغت 800 ألف.

ورفع المتظاهرون مطالب تتصل بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وضعف الأجور، في وقت تتزايد فيه الأعباء اليومية للأسر، ولا سيما تكاليف السكن والإيجار والاحتياجات الأساسية.

وقالت إحدى المشاركات في الاحتجاجات إنها خرجت للتعبير عن رفضها العمل بأجور متدنية في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف المعيشة، في موقف يعكس جانباً من أسباب الاحتقان الاجتماعي الذي تعيشه البلاد.

الشارع الفرنسي في قلب الصراع السياسي

وتأتي هذه التطورات قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية، لتزيد المشهد السياسي تعقيداً، خصوصاً مع تصاعد التنافس بين اليسار واليمين المتطرف بشأن أسباب الأزمة وسبل التعامل معها.

ففي حين دعا جان لوك ميلانشون، زعيم حزب «فرنسا الأبية»، إلى الابتعاد عن العنف والتخريب، أكدت مارين لوبن، زعيمة حزب «التجمع الوطني»، دعمها لقوات الأمن، منتقدة مواقف اليسار التي اعتبرت أنها تمنح العنف غطاءً سياسياً.

وبين مطالب اجتماعية تتعلق بالقدرة الشرائية، ومخاوف أمنية واقتصادية، ومواجهات سياسية تزداد حدّة مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي، تجد فرنسا نفسها أمام معادلة معقدة: كيف تستجيب لغضب المواطنين من دون أن تسمح بانزلاق الاحتجاجات إلى الفوضى؟

إنّ ما شهدته الشوارع الفرنسية يكشف حجم التوتر بين المطالب الاجتماعية المشروعة ومخاطر العنف والتخريب، ويضع الحكومة أمام تحدّي استعادة الثقة والاستقرار في مرحلة سياسية حساسة.