خلف مشاهد الحروب المعلنة ومعارك الدبابات والطائرات، تدور دائماً حرب موازية لا تُرى بالعين المجرّدة، حرب تُدار في الظل، سلاحها الخداع، ووقودها المعلومات، ونتائجها قد تكون أعمق أثراً من آلاف القذائف. في هذا السياق، تبرز “عملية اللحم المفروم” (Operation Mincemeat) كواحدة من أذكى العمليات الاستخباراتية في التاريخ الحديث، والتي نجحت في تغيير مسار الحرب العالمية الثانية دون إطلاق رصاصة واحدة.
حرب العقول بدل المدافع
في ربيع عام 1943، كان الحلفاء يستعدون لخطوة مفصلية في الحرب العالمية الثانية: غزو جزيرة صقلية الإيطالية. هذا الهدف بدا منطقياً ومتوقعاً بالنسبة للقيادة النازية، ما جعل عنصر المفاجأة شبه مستحيل. أمام هذا التحدي، لجأت الاستخبارات البريطانية إلى سلاحها الأهم: التضليل الاستراتيجي.
الفكرة كانت جريئة إلى حد الجنون: إقناع الألمان بأن صقلية ليست الهدف الحقيقي، بل أن الغزو سيطال اليونان وسردينيا. ولتحقيق ذلك، لم تُستخدم بيانات رسمية أو تسريبات دبلوماسية، بل جثة رجل.
هوية ضابط لم يوجد قط
عمدت الاستخبارات البريطانية إلى استخدام جثة رجل مجهول الهوية، أُلبست زي ضابط بريطاني، ومنحته اسماً ورتبة: الرائد ويليام مارتن. ولم تكتفِ الوثائق العسكرية المزيفة التي كانت بحوزته بإقناع العدو، بل تم بناء حياة كاملة لهذا “الضابط الوهمي”.
وُضعت في جيوبه رسائل حب من خطيبة مفترضة، وتذاكر سينما، وفواتير مصرفية، وصور شخصية، وحتى تفاصيل يومية صغيرة تجعل القصة قابلة للتصديق. الهدف كان بسيطاً ودقيقاً في آن واحد: جعل الألمان يثقون بالرجل، وبالتالي بما يحمله من معلومات.
الجثة التي غزت أوروبا
في 30 أبريل 1943، أُلقيت الجثة في البحر قبالة السواحل الجنوبية لإسبانيا. وكما خُطط تماماً، عثر عليها السكان المحليون، ووصلت الوثائق إلى السلطات الإسبانية التي كانت على تواصل استخباراتي مع ألمانيا النازية.
ابتلع الألمان الطُعم بالكامل. واعتُبرت الوثائق دليلاً مؤكداً على نوايا الحلفاء، ما دفع القيادة الألمانية إلى تحويل جزء مهم من قواتها من صقلية إلى اليونان والبلقان.
النتيجة: نصر بأقل الخسائر
في 9 يوليو 1943، شنّ الحلفاء هجومهم الحقيقي على صقلية. وبفضل التضليل الناجح، جاء الغزو أسهل بكثير مما كان متوقعاً، وبخسائر أقل. هذا التقدم السريع مهّد لانهيار النظام الفاشي في إيطاليا، وأضعف الوجود الألماني في جنوب أوروبا، مسرّعاً مسار الهزيمة النازية.
ليست حالة معزولة
عملية “اللحم المفروم” لم تكن استثناءً في عالم الاستخبارات. فقد سبقتها وتلتها عمليات خداع واسعة، مثل نظام “العميل المزدوج” الذي استخدمته بريطانيا لبث معلومات مضللة عبر قنوات يثق بها الألمان، وعمليات أخرى كـ“باركلي” و“كوبر هيد”، التي اعتمدت على فهم عميق لنفسية الخصم قبل قوته العسكرية.
تكشف هذه العملية أن الحروب لا تُحسم دائماً في ساحات القتال، بل كثيراً ما تُحسم في العقول وغرف التخطيط. “عملية اللحم المفروم” أثبتت أن قصة مُحكمة الصياغة، مدعومة بتفاصيل إنسانية دقيقة، قد تغيّر مسار التاريخ، وتؤكد أن الاستخبارات ليست مجرد معلومات، بل فن صناعة الوهم القابل للتصديق.



