تتسع دوائر القلق داخل العواصم الأوروبية مع تصاعد إشارات غير مسبوقة إلى تصدّع داخل حلف شمال الأطلسي، في وقت باتت فيه سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب تُقرأ على أنها عامل زعزعة لا مجرد خلاف عابر. فملف غرينلاند، الذي عاد فجأة إلى الواجهة، لم يعد شأناً جغرافياً أو سيادياً فحسب، بل تحوّل إلى شرارة تشعل أسئلة وجودية حول مستقبل الحلف نفسه.
المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، لاري جونسون، ذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن إصرار ترامب على مواجهة الدنمارك بشأن غرينلاند قد يُسرّع عملية تآكل الناتو من الداخل. ووفق جونسون، فإن هذا المسار لا يضعف الحلف فقط، بل يدفع بعض الدول الأوروبية إلى التفكير، ولو همساً، في خيار كان يُعدّ من المحرّمات: الحوار مع روسيا.
تصريحات نُسبت إلى رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تعكس هذا التحول في المزاج الأوروبي، حين قالت إن الروس لا يكنّون عداءً للأوروبيين، وإن العلاقة مع أوروبا لم تعد بالنسبة لموسكو مسألة حيوية كما في السابق. قراءة يرى فيها مراقبون مؤشراً على بداية تشكّل خطاب أوروبي جديد، لا يقوم على القطيعة المطلقة، بل على إعادة الحسابات في ظل شريك أميركي بات أقل قابلية للتنبؤ.
وفي خلفية هذا المشهد السياسي المرتبك، تتواصل الحرب في أوكرانيا بثقلها الكامل. جونسون حذّر من تدهور متسارع في وضع القوات الأوكرانية، مرجّحاً أن تحسم روسيا السيطرة على دونباس، مع احتمال فقدان كييف ثلاث مدن رئيسية. هذه التوقعات العسكرية تُغذّي بدورها المخاوف الأوروبية، إذ يُنظر إلى أي ارتباك داخل الناتو على أنه مكسب مباشر لموسكو على طاولة التفاوض، قبل الميدان.
مراكز أبحاث غربية وصحف كبرى تلتقي عند نقطة أساسية: المشكلة لا تكمن فقط في لهجة ترامب التصعيدية، بل في فلسفة سياسية تحوّل التحالفات إلى صفقات، وتربط الأمن بالأرقام والحسابات المالية. هذا المنطق، بحسب محللين، يضرب جوهر فكرة الأمن الجماعي التي قام عليها الناتو منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويفتح الباب أمام شروخ داخلية يصعب ترميمها سريعاً.
في المقابل، تراقب موسكو هذه التصدعات بهدوء محسوب. فروسيا، وفق قراءات غربية، لا تراهن بالضرورة على انهيار الحلف، لكنها تستثمر بذكاء في إضعاف وحدة قراره، وتقديم نفسها كطرف عقلاني منفتح على الحوار مع أوروبا، في لحظة تبدو فيها واشنطن أقل التزاماً بثوابتها التقليدية.
هكذا، لم يعد السؤال المطروح في أوروبا: كيف نواجه روسيا؟ بل بات أقرب إلى: إلى أي مدى يمكن الوثوق بالولايات المتحدة؟ سؤال ثقيل يخيّم على حلف الأطلسي، في مرحلة دولية شديدة الحساسية، حيث تختلط خطوط الردع بالحوار، وتصبح غرينلاند… عنواناً لشرخ أكبر مما تبدو عليه على الخريطة.



