بقلم عزيز بن جميع
بعد سنوات من "الحصار" المعنوي، ومحاولات الإقصاء التي قادها من يمكن تسميتهم بـ "حراس النوايا" وبعض المرضى النفسيين الذين ضاقوا ذرعاً بجرأة الطرح، يعود الفنان لطفي بندقة إلى خشبة المسرح من الباب الكبير. العودة هذه المرة ليست مجرد استئناف لنشاط، بل هي زلزال كوميدي بملامح جيوسياسية، يضرب في عمق الوجدان الشعبي ليعيد صياغة مفهوم "المسرح التحريضي" بأسلوب معاصر وأنيق.
ثلاثية الجسد والسياسة: العراق، صدام، والرقص.
في هذا العمل الجديد، الذي يراهن عليه الجميع ليكون "تريند" الموسم الصيفي بامتياز، يقتحم بندقة منطقة ملغومة. النص الذي صاغه ببراعة الصحفي والمحلل لطفي العماري، لا يكتفي بإضحاك الجمهور، بل يرمي به في أتون الذاكرة العربية. بين أطلال العراق وهيبة حضور صدام حسين، وبين "تكتكات" الرقص التي ترمز هنا للتمايل السياسي والاجتماعي، ينسج العرض خيوطه. إنه مسرح "يصير ع النساء" (بالمعنى المجازي للدهشة والسطوة)، حيث تتداخل السخرية السوداء بالرقص على حبال التناقضات.
كتيبة الإبداع: كشرود وحرب.. كيمياء الانفجار
لا يكتمل وهج بندقة في هذا العرض إلا بوجود "قطبي رحى" المسرح الكوميدي:
* فوزي كشرود: بحضوره الطاغي وقدرته الفذة على انتزاع الضحكة من العدم.
* خضراء حرب: التي تمنح العرض ثقلاً درامياً وحيوية تكسر النمطية.
هذا الثلاثي يشكل وحدة متجانسة قادرة على تحويل "النص العماري" المشبع بالرموز إلى فرجة بصرية وسمعية تجتاح الحواس.
من "حي الحديقة" إلى "المنزه 6": زحف الضحك المعاصر
بذكاء إنتاجي لافت، يشد العرض رحاله بين فضاءات متنوعة، من سوسة جوهرة الساحل، إلى حي الحديقة الشعبي النابض، وصولاً إلى المنزه 6 الراقي. هذا التنوع الجغرافي يثبت أن كوميديا بندقة عابرة للطبقات، وأن الرسالة التي حاول "المرضى" خنقها بالأمس، تولد اليوم برئة أكبر وصوت أجهر.
كلمة أخيرة
نحن أمام عمل "خطر"، ليس بمفهوم التهديد، بل بمفهوم التحدي الفني. إنها مسرحية تعيد الاعتبار للمسرح الكوميدي الهادف الذي لا يخشى التاريخ ولا يرتجف أمام التيارات الظلامية. إذا كان الصيف القادم يبحث عن عنوان، فعنوانه بلا شك هو هذا العمل الذي يثبت أن لطفي بندقة لم يغب ليختفي، بل غاب ليشتعل من جديد.
عزيز بن جميع



